22 نيسان 2024 الساعة 13:31

الصحافة الإسرائيلية الملف اليومي صادر عن المكتب الصحفي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين الاحد 31/3/2024 العدد 974

2024-04-01 عدد القراءات : 99
 الصحافة الاسرائيل– الملف اليومي

 

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

 

 

 

هآرتس 31/3/2024

 

 

زام أمني وممر سيطرة: المشروع الإسرائيلي الضخم لغزة.. يتكشف

 

 

بقلم: يارون ميخائيلي وآفي شراف

 

بدون إعطاء الكثير من التفاصيل عن الموضوع، إسرائيل تعمل في هذه الفترة على مشروع ضخم في قطاع غزة، إقامة منطقة عازلة قرب جدار الحدود مع إسرائيل. الحديث يدور عن منطقة عرضها 1 كم، وعند استكمال المشروع ستكون مساحته 16% من مساحة القطاع.

المشروع يضم قوات للهندسة تعمل على الأرض وتوسع بشكل كبير المنطقة التي منع فيها الجيش الفلسطينيين من الاقتراب منها قبل الحرب. لقد اصبح يثير الانتقادات الشديدة من قبل المجتمع الدولي. و"هآرتس" علمت أنه يوجد له مسؤول عن تنفيذه في الجيش الإسرائيلي.

يضاف إلى هذا المشروع، مشروع آخر بدأت تظهر ملامحه – خلق ممر سيطرة يفصل القطاع بين الشمال والجنوب، ويمكن الجيش من إدارة الحركة في الشوارع الاستراتيجية التي تمس مركز المفاوضات مع "حماس". هذه المشاريع – المنطقة الأمنية وممر السيطرة – يرفعان احتمالية أن الجيش الإسرائيلي يستعد للمكوث فترة طويلة في القطاع.

في الرد على سؤال "هآرتس" بخصوص المنطقة العازلة اكتفى المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بصيغة غامضة قال فيها، إن قواته تعمل على "تنظيم المنطقة العازلة في إطار تطبيق نظرية الدفاع ووفقا لتوجيهات المستوى السياسي". رفض إعطاء تفاصيل عن الموضوع، والقيود التي يضعها الجيش على دخول المراسلين إلى القطاع، تصعب فهم الواقع الموجود على الأرض، الذي يشمل تدمير الكثير من المباني المدنية. مع ذلك، صور الأقمار الصناعية بدقة عالية، التي صورت من قبل شركة الأقمار الصناعية الخاصة "بلانت لابس" تشبه المنطقة العازلة المتشكلة، وتبين أن الجيش قام بتدمير الكثير من المباني التي كانت فيها. "هآرتس" فحصت صورا للأقمار الصناعية للمنطقة العازلة من الشمال إلى الجنوب وقامت بمقارنتها مع صور صورت في هذه المناطق قبل الحرب. وشخصت بؤر الدمار التي تضم تسوية تامة لمبان.

من غير المعروف إذا كانت كل المباني التي تجتاز الخط وتظهر في الصور دمرت في إطار مشروع المنطقة العازلة أو لأسباب أخرى تتعلق بالحرب. حسب مصدر مطلع على المشروع فإن بيوت تم تدميرها أيضا خلف خط الكيلومتر من اجل منع الوصول إلى المنطقة العازلة. في بؤر كثيرة في صور الأقمار الصناعية ظهر تدمير مبان على بعد يصل إلى 1200 متر عن جدار الحدود مع إسرائيل.

شارع "نتساريم" هو محور استراتيجي، حسب مصدر في الجيش الإسرائيلي، هدفه هو تقسيم القطاع. والسماح بوصول عسكري سريع إلى أراضيه، وأيضا السماح لإسرائيل بالرقابة على كل حركة للفلسطينيين بين الشمال والجنوب. الشارع يظهر بوضوح في صور الأقمار الصناعية. في نقطتين على طوله شخصت "هآرتس" ما ظهر كمناطق استعداد، فيها يمكن تشخيص أعمدة، بعضها أقيم وواحد ما زال موجودا على الأرض، حتى موعد التصوير في 20 آذار الحالي.

يظهر القمر الصناعي أن مناطق الاستعداد أقيمت قرب طرق استراتيجية، طريق صلاح الدين وشارع الشاطئ. في بداية الحرب، بعد الهجوم المفاجئ لـ"حماس" على بلدات الغلاف، أمر الجيش الإسرائيلي سكان شمال القطاع بإخلاء بيوتهم والتوجه نحو الجنوب عبر هذه الطرق. مئات آلاف الأشخاص هربوا بهذا الشكل من الشمال إلى الجنوب، الآن معظم سكان القطاع يتجمعون في مدن خيام في جنوب القطاع. سؤال هل سيسمح لهم بالعودة إلى الشمال يوجد في مركز المفاوضات بين إسرائيل و"حماس".

 

ممر "نتساريم" يقسم القطاع

 

في جنوب شارع "نتساريم"، يتواصل العمل على المنطقة العازلة المجاورة من الحدود. عمليات التعرية تشمل استخدام أدوات هندسية كثيرة. في داخل قطاع الكيلومتر كانت توجد أراض زراعية ودفيئات وألواح شمسية وما شابه إلى جانب مبان سكنية كثيرة. الجيش الإسرائيلي دمر هذه المباني بشكل ممنهج.

حسب المصدر المطلع على المشروع فإنه حتى الآن لا توجد خطة لإقامة مواقع ثابتة في المنطقة العازلة الأمنية. في المكان يتوقع أن تكون هناك أكوام من التراب وقوات الجيش الإسرائيلي تدخل وتخرج منها. ولكن معظم السيطرة يتوقع أن تكون بواسطة النار ومواقع المراقبة من داخل أراضي إسرائيل. المصدر أوضح أيضا بأن المبدأ سيكون إنفاذ صارم للقانون: الجيش الإسرائيلي لن يسمح لأحد بالاقتراب وسيطلق النار على من يتجاوز الخط.

رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أشار في "خطة اليوم التالي" التي نشرها في شباط، إلى أنه في "منطقة الحماية المقامة في قطاع غزة في منطقة الحدود مع إسرائيل ستبقى طالما كان لها ضرورة أمنية". مع ذلك، نتنياهو لم يقدم تفاصيل أخرى في الوثيقة وهو يقلل من التحدث عن الموضوع. طلب رئيس لـ"حماس" في المفاوضات التي تجري معها هو انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وفي هذه المرحلة لا يتم إجراء نقاشات علنية حول طبيعة التواجد الإسرائيلي المخطط له داخل المنطقة الأمنية. إسرائيل قامت بحتلنة الدول العربية المجاورة بشأن نيتها إقامة منطقة عازلة داخل غزة منذ بداية شهر كانون الأول، كما نشر في "رويترز" نقلا عن مصادر إقليمية. ردا على أسئلة "هآرتس" حول هذا الأمر قالوا في الجيش، إنه "في إطار نشاطات الجيش الإسرائيلي في الحرب فإنه ملزم بتنفيذ مهمة إعادة الأمن لسكان غلاف غزة ولجميع سكان دولة إسرائيل، ضمن أمور أخرى بواسطة نظرية دفاع تمنع الهجمات الإرهابية من داخل القطاع".

"في إطار تطبيق نظرية الدفاع وطبقا لتوجيهات المستوى السياسي فإن الجيش الإسرائيلي يقوم بتدمير البنى التحتية للإرهاب ويعزز عوامل الحماية في المستوطنات ويقيم تواجدا واسعا للجيش الإسرائيلي في المنطقة ويتخذ خطوات مختلفة، منها تنظيم منطقة العائق. هذه الخطوات ضرورية من اجل منع "حماس" والتنظيمات الإرهابية الأخرى من العمل في هذه المنطقة. كل ذلك حسب القانون الدولي ومن خلال الإدراك بأن منطقة العائق هي حاسمة على قدرة العدو على تنفيذ نشاطات هجومية إرهابية". وقيل أيضا "كجزء من العملية البرية يحافظ الجيش الإسرائيلي على استعداد امني في المنطقة حسب تقديرات الوضع".

فكرة المنطقة العازلة غير جديدة، حتى قبل الحرب نفذت إسرائيل منطقة عازلة قرب الجدار. في السابق، الغزيون الذين دخلوا إلى المنطقة العازلة التي تصل 300 عن الجدار كانوا معرضين للنار الحية. حسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، أيضا مناطق تبعد بضع مئات الأمتار خلف هذه المنطقة لم يتم اعتبارها آمنة للغزيين، ما منع الزراعة في المنطقة. في منظمة حقوق الإنسان "غيشاه" أشاروا إلى أنه قبل الحرب سمح للمزارعين بالاقتراب إلى مسافة حتى 100 متر من الجدار، وأنه بعد 2014 بدأت إسرائيل ترش المبيدات على المناطق قرب الجدار بطريقة أدت إلى الإضرار بالمزروعات في المنطقة. أعمال التعرية للقطاع الأمني الآن تشمل اقتلاع الأشجار.

في هجوم "حماس" الإرهابي في 7 أكتوبر اجتازت قوات النخبة في "حماس" بسرعة القطاع الأمني السابق واقتحمت الجدار الفاصل في عدة نقاط وهكذا دخلت إلى بلدات الغلاف وقتلت حوالى 1200 شخص واختطفت حوالى 240 شخصا آخر. في الحرب يستخدم مخربو "حماس" المدنيين كدروع بشرية ويختبئون في شبكة أنفاق تحت الأرض.

مشروع القطاع الأمني يثير الانتقاد الدولي والادعاء بأنه يمكن أن يعتبر خرقا لميثاق جنيف وجريمة حرب. على سبيل المثال، المندوب السامي في الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قال في الشهر الماضي، إنه "حسب التقارير فإن قوات الجيش الإسرائيلي تدمر كل المباني التي توجد على بعد كيلومتر عن الجدار بين إسرائيل والقطاع. هم يقومون بإخلاء المنطقة بهدف إقامة منطقة عازلة". وأضاف، "إسرائيل لم تقدم أسبابا واضحة لهذا التدمير الواسع للبنى التحتية المدنية. وأنا أذكر السلطات بأن الإخلاء بالقوة للمدنيين يمكن أن يعتبر جريمة حرب".

الجيش الإسرائيلي لم يرد على أسئلة "هآرتس" حول كم عدد المباني التي تم تدميرها حتى الآن أثناء إقامة المنطقة العازلة وكم مبنى يتوقع أن يدمر إلى حين استكمالها.

---------------------------------------------

 

هآرتس 31/3/2024

 

 

تعليمات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة: نشك بوجود مخرب بين مدنيين فنقصفهم جميعاً

 

 

بقلم: ينيف كوفوفيتش

 

بدا هذا مثل بيان عادي آخر للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي. بعد إطلاق صاروخ من قطاع غزة على عسقلان، قيل: “لقد تم تشخيص المخرب الذي نفذ الإطلاق، وقامت طائرة من سلاح الجو بمهاجمته وتصفيته”. للوهلة الأولى، هذا مثل سطر في إحصاء رجال حماس القتلى.

لكن ظهر قبل أسبوع ونصف، توثيق جديد للحادث بثته قناة “الجزيرة”. هناك شوهد أربعة أشخاص وليس شخصاً واحداً. لقد ساروا معاً بملابس مدنية في طريق ترابية واسعة في خان يونس. لم يكن حولهم أحد، إلا بقايا بيوت عاش فيها بشر ذات يوم. هدوء شديد خرقه انفجار ضخم مرة واحدة، قتل اثنان على الفور، وأصيب آخران حاولا مواصلة السير، ربما اعتقدا أنهما نجيا، لكن تم القاء قنبلة على واحد منهما بعد ثوان، وسقط الآخر على الأرض. سمع انفجار آخر، ثم شوهدت نار ودخان مرة أخرى.

في هذه الأثناء، جاء عن المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بأن الفيلم تم تحويله للفحص في أجهزة التحقيق بهيئة الأركان. “هذا حادث سيئ جداً”، قال للصحيفة ضابط رفيع. “لم يكونوا مسلحين، ولم يعرضوا القوات للخطر في المكان الذي ساروا فيه”. إضافة إلى ذلك، قال ضابط في الاستخبارات مطلع على الأمر بأنه لم يكن من المؤكد تماماً من هو المسؤول عن إطلاق الصاروخ. حسب قوله، كانوا الأقرب من موقع الإطلاق، ربما هم مخربون أو مجرد مدنيين يبحثون عن الطعام.

هذه القصة مجرد مثال واحد كشف عنه يبين الطريقة التي يقتل فيها الفلسطينيون بنار الجيش الإسرائيلي في القطاع، والأسلوب الذي يتم فيه إحصاء هؤلاء القتلى. تم تقدير عدد القتلى الفلسطينيين في الحرب بـ 32 ألفاً، منهم نحو 9 آلاف مخرب، حسب بيانات الجيش. ولكن عدداً من القادة في الخدمة النظامية والاحتياط، الذين تحدثوا مع “هآرتس” يثيرون شكوكاً كثيرة بشأن مصداقية هذا العدد وبشأن إن كان هؤلاء من المخربين.

يتبين من أقوالهم أن التعريف في هذا الموضوع خاضع لتفسيرات كثيرة. من غير المستبعد أن الفلسطينيين أيضاً، الذين لم يلمسوا سلاحاً يوماً ما، تم رفعهم عند موتهم إلى مستوى “مخرب”، على الأقل حسب الجيش الإسرائيلي. “المخرب”، قال ضابط احتياط خدم في القطاع، “هو أي شخص قتله الجيش الإسرائيلي في الفضاء الذي تحارب فيه القوات”.

بيانات الجيش ليست سرية، بل العكس، تحولت على الأغلب إلى مصدر للتفاخر، وربما الأقرب إلى صورة النصر التي حققتها إسرائيل منذ بداية الحرب. ولكن هذه الصورة، قال ضابط رفيع في قيادة المنطقة الجنوبية ومطلع على الموضوع جيداً، ليست صورة أصيلة. “من المدهش سماع تقارير بعد كل نشاط، تتحدث عن عدد المخربين الذين قتلتهم قواتنا”، قال. “بعد نصف سنة من القتال، لا يجب أن تكون عبقرياً لتفهم بأن خان يونس أو جباليا تخلو إلا من عشرات أو مئات المسلحين الذين يركضون في الشوارع يحملون السلاح ويحاربون الجيش الإسرائيلي”. إذاً، كيف تبدو صورة المعارك في القطاع؟ حسب ضابط الاحتياط الذي كان هناك “على الأغلب هناك مخربون، اثنان أو ثلاثة، يختفون في مبنى، ولا يكشفهم إلا جنود لديهم وسائل خاصة وحوامات”.

مهمة هذا الضابط كانت إرسال عدد المخربين الذين قتلوا في المنطقة التي حاربت فيها قواته إلى المستوى الأعلى في القيادة. “ليس هذا هو التحقيق الذي يطلبون فيه منك إحضار كل الجثث”، يشرح. “يسألون كم، أذكر العدد الذي أعرفه مما نشاهده ونعرفه على الأرض، ثم نمضي”. أراد التأكيد على أن “هذا لا يعني أننا نخترع جثثاً، لكن لا أحد يعرف بالضبط من هو المخرب ومن أصيب بسبب دخوله مجال القتال”. هناك عدد من ضباط الاحتياط والجنود الذين كانوا في القطاع في الأشهر الأخيرة أشاروا إلى السهولة التي يدخل فيها قتيل فلسطيني إلى فئة معينة بعد موته. يبدو أن السؤال ليس ما الذي فعله، بل أين قُتل.

 

في قلب منطقة التدمير

 

فضاء القتال مفهوم أساسي. يدور الحديث عن منطقة تتمركز فيها قوة، على الأغلب في بيت مهجور، وتصبح المناطق المحيطة به منطقة عسكرية مغلقة، لكن دون علامة بارزة للعيان. وثمة مفهوم آخر بشأن هذه المناطق، وهو “مناطق التدمير”. “في كل فضاء للقتال، يحدد القادة مناطق التدمير”، شرح ضابط الاحتياط، وأضاف: “المعنى هو خطوط حمراء واضحة محظور على أحد، الذي ليس جزءاً من قوات الجيش الإسرائيلي، الدخول إليها كي لا نسمح بالمس بقواتنا في المكان”.

حدود مناطق التدمير هذه لا تحدد مسبقاً، بل حسب ظروف المنطقة، والبعد عن المبنى الذي تتمركز فيه القوات وأيضاً الارتفاع. لكل قوة منظومة نقاط مراقبة في القطاع وخارجه تشخص هذه التهديدات. ولكن حدود المجال والإجراءات الدقيقة بخصوص العملية تخضع لتفسير قادة الخلية القتالية. “في اللحظة التي يدخل فيها أشخاص، بالأساس رجال بالغون، إلى منطقة التدمير”، يتابع ضابط الاحتياط، “فالتعليمات هي تنفيذ إطلاق نار، والقتل، حتى لو كان المشتبه فيه غير مسلح”.

إن مأساة قتل المخطوفين الثلاثة على يد الجيش الإسرائيلي هي قصة من هذا النوع. فعند هربهم من آسريهم، دخل الثلاثة إلى منطقة التدمير في حي الشجاعية بغزة. “الكتيبة 17 تدافع عن المحور الذي يشكل محور إخلاء ومحوراً لوجستياً للفرقة”، قال قائد اللواء المسؤول عن القوة، العقيد إسرائيل فردلر. “مجال الرؤية ومناطق التدمير هي في المسافة الأقرب لقواتنا”. نهاية هذه القصة معروفة وأيضاً حقيقة أنه كان هناك انحراف كبير عن الإجراءات، التي أعيد توضيحها فيما بعد.

في المنطقة التي فيها الآن احتمالية معقولة لوجود مخطوفين، تكون النشاطات وفقاً لذلك، والغرف في هذه المنطقة يتم تفجيرها من الجو. ولكن ما يحدث في مناطق أخرى أمر أقل تنظيماً، ومن غير الواضح كم عدد المدنيين الفلسطينيين الذين أطلقت النار عليهم وقتلوا عندما دخلوا إلى هذه المناطق وهم غير مسلحين.

“الشعور الذي تولد لدينا هناك هو أنه لم تكن هناك أوامر لفتح النار”، قال جندي في الاحتياط، الذي قاتل في شمال القطاع حتى فترة متأخرة. “لا أتذكر أنهم نزلوا معنا إلى دقة عالية تتم فيها رؤية كل حادثة”. هذه الأمور تتساوق مع انطباع توصل إليه مصدر أمني رفيع، الذي قال “يبدو أن هناك الكثير من القوات القتالية التي تقرر أن تكتب لنفسها تعليمات حول فتح النار”.

المصدر الأمني الرفيع قال للصحيفة بأن هذا الموضوع وصل في بداية الحرب إلى رئيس الأركان، هرتسي هليفي؛ عندما أدركت هيئة الأركان أن أوامر فتح النار في القطاع تخضع لتفسيرات القادة. “رئيس الأركان خرج بالصورة الأكثر وضوحاً، وهي أنه يعارض قتل كل من يدخل إلى مناطق القتال، وتطرق إلى ذلك في خطاباته”، قال المصدر الأمني. “لكن للأسف، هناك قادة، حتى قادة كبار، يفعلون كل ما يخطر ببالهم في داخل القطاع”.

لكن، أيضاً الآن التعليمات هي إطلاق النار على كل من يقترب من القوات في مجال القتال. وعندما يكون الاقتراب ذاتياً فكم غير المفاجئ أن هذا الرقم يخضع لتفسيرات واسعة على الأرض. ضابط في الاحتياط، يشغل منصباً مهماً في القيادة المتقدمة في أحد ألوية الاحتياط التي قادت القتال في شمال القطاع، قال إنه يبدو أن السن والتجربة تلعب دوراً هنا. “الجنود النظاميون يدهم أسرع على الزناد من جنود الاحتياط”. هو نفسه تعرض لحالة كان يمكن بسهولة أن تنتهي بقتل أبرياء.

“لاحظنا مشبوهاً كان ينوي الدخول إلى منطقة قتالنا، وكانت مسيرتنا في الجو وجاءت مصادقة على قتله. فجأة، في اللحظة الأخيرة، شاهدنا ومن يشغل المسيرة بأن هذا الشخص دخل إلى شارع فيه عشرات الأشخاص”، كان هذا على بعد بضعة أمتار عن منطقة القتال، حيث تم اكتشاف سوق فيه بسطات وأطفال يركبون على دراجات. “لم نعرف بوجود مدنيين هناك”، قال. في لحظة تقرر وقف الهجوم، وكما يبدو منع حدوث كارثة.

“لا شك أن هناك قوات كانت ستطلق النار من المسيرة”، قال الضابط. “الوقت دائماً متوتر بين الحفاظ على القوات التي هي في المقام الأول على رأس سلم الأولويات، وبين وضع نحاول فيه تجنب القتل الزائد للمدنيين”.

داخل هذه الفوضى يتم إعطاء وزن ضئيل لتقدير القادة في الميدان، سواء كان الحديث عن قائد لواء أو قائد كتيبة أو قائد فصيل، هكذا قال الكثير من الجنود الذين تحدثوا مع “هآرتس”. حسب أقوالهم، هناك قادة أطلقوا النار على شخص مشبوه في داخل مبنى، حتى لو كان حوله مدنيون. وهناك من تصرفوا بطريقة مختلفة. في هذه المحادثات مع مصادر أمنية مختلفة، ضباطاً وجنوداً، تكرر طرح معضلة المواطن (أو معضلة المخرب). كيف نشخص ما إذا كان الحديث يدور عن خطر، وكيف نعرف إن كان الوقت المناسب لننتظر لحظة ولا نسارع إلى إطلاق النار؟

التوجه إلى القادة قد يقدم إجابات مختلفة، هذا يتعلق بالإنسان وبالوضع. “من ناحية القادة، إذا لاحظنا أحداً في الفضاء الذي نعمل فيه وهو لم يكن من قواتنا، يقتضي الأمر إطلاق النار من أجل القتل”، قال جندي في الاحتياط عن تجربته. “لقد قالوا لنا بشكل صريح بأنه حتى في الحالة التي يهرب المشبوه فيها إلى مبنى يؤوي أشخاصاً، عندها يجب إطلاق النار على المبنى وقتل المخرب حتى بثمن المس بأشخاص آخرين“.

 

اختبار الوقت

 

على الورق، المواطنون في القطاع يعرفون الأماكن التي هي تحت حالة منطقة نيران، وأن عليهم المكوث في محميات إنسانية وحولها، وهي المناطق التي لا تحدث فيها قوات الجيش الإسرائيلي قتالاً. ولكن اختبار الزمن مهم هنا أيضاً. بعد مرور نصف سنة على الحرب، قال ضابط في المقر المتقدم: “لو بقينا هناك شهراً أو شهرين لكان يمكن الالتزام بالقرار القاضي بإلحاق الأذى بكل من يقترب. ولكننا هناك منذ ستة أشهر، وعلى الناس البدء في الخروج، هم يحاولون البقاء على قيد الحياة، وهذا يقودنا إلى أحداث صعبة جداً”.

هذه الأحداث القاسية تقلق حتى الإدارة الأمريكية، التي طلبت من إسرائيل في الأسابيع الأخيرة ممارسة سياسة نيران بصورة أكثر مسؤولية تجاه السكان. ولكن ضابطاً في الاستخبارات هو في قلب الحدث، قال إن “ما يحدث في شمال القطاع لا يجب أن يقلق الأمريكيين، بل دولة إسرائيل”. وحسب قوله “في شمال القطاع الآن نحو 300 ألف مواطن، معظمهم يتجمعون منذ بداية الحرب في مناطق يعتبرها الجيش ملاجئ إنسانية. “هؤلاء هم الأكثر ضعفاً في غزة، لا يملكون مالاً يساعدهم ليتجهوا إلى الجنوب واستئجار شقة أو غرفة أو حتى إمكانية الحصول على خيمة”، قال.

الوضع في هذه المحميات، أضاف، صعب جداً. من بقوا هناك يتشاجرون على الطعام ومكان النوم. وحسب قوله، هذا تحول إلى صراع الحياة والموت، الذي يزداد فيه العنف ويختفي النظام. إضافة إلى ذلك، “في أجزاء كثيرة في شمال القطاع هناك مواطنون لا ملاجئ إنسانية لهم”، قال ضابط رفيع في الجيش شارك في القتال. “بعضهم دخلوا إلى البيوت للحفاظ على ممتلكاتهم من السرقة وخوفاً من أن يسيطر أحد على البيت أثناء هربهم”.

لذا، الذين في بيوتهم خارج المحميات التي يتجنب الجيش الإسرائيلي العمل فيها يتعرضون لخطر واضح. “يمكنهم المكوث في مبان مجاورة للمنطقة التي فيها الجنود”، قال الضابط الرفيع. “إذا شخصهم أحد ما فسيصابون على الأغلب”. أحياناً لا يعرفون أنهم يشكلون خطراً. مثلاً، هناك تعليمات لدى الجيش الإسرائيلي لتجنب الصعود على أسطح المباني، ومن يصعد سيطلق النار عليه. والضابط الرفيع قدر بأن هناك حالات أول فيها المواطنون الوصول إلى أماكن اعتقدوا أن الجيش كان فيها وغادرها، وربما ترك وراءه طعام. “عندما كانوا في الطريق إلى هذه الأماكن، تم إطلاق النار عليهم خوفاً من محاولة الوصول إلى القوات والمس بها”. قال الضابط.

وتحدث ضابط مع “هآرتس” عن مصدر آخر لزيادة الاحتكاك مع المدنيين. ففي الأسابيع الأخيرة بقي الجيش الإسرائيلي ثابتاً في أجزاء كبيرة داخل القطاع بدون تقدم للقتال في مناطق جديدة. “بدلاً من البدء في إعادة الترميم ونشر هؤلاء الأشخاص داخل المدارس (الملاذات)، عندها يدخل الجنود ثانية إلى هذه الأماكن التي تحولت إلى أكثر اكتظاظاً، بسكان ليس لهم شيء يخسرونه”، قال ضابط في الاحتياط خرج مؤخراً من القتال في الشجاعية.

نفس هذا الضابط يعتقد أن لدى الجيش الإسرائيلي، وبالإجمال جهاز الأمن، تصوراً واضحاً بأنه يتعين على إسرائيل في نهاية الحرب مواجهة هذه الأحداث وتداعياتها أمام المجتمع الدولي. في غضون ذلك، يعمل في الميدان طاقم تحقيق من هيئة قيادة الأركان، الذي يرسل استنتاجاته للنيابة العسكرية. ولكن عندما لا يعرف الشخص كم عدد المخربين الذين قتلوا وكم عدد المدنيين الذين اعتبروا مخربين، فيبدو أن عمل هذا الطاقم غير سهل.

---------------------------------------------

 

معاريف 31/3/2024

 

 

لقادة إسرائيل: استغلوا تفوقنا الاستراتيجي لإنهاء حرب الاستنزاف مع “حزب الله”

 

 

بقلم: البروفيسور أماتسيا برعم

 

ما دام القتال مستمراً في غزة، حتى لو أوقفنا النار أو صعدنا القتال، فلن يوقف حزب الله حرب استنزافه ضدنا. إذا صعدنا بتقنين، سيصعدون بتقنين. إذا صعدنا إلى حرب كاملة، سيصعدون بما يتناسب مع ذلك. في هذه اللحظة، يفضل الطرفان الامتناع عن حرب شاملة. مع ذلك، لأسباب داخلية في لبنان ونتيجة لـ “مشورة” إيرانية، يلوح مؤخراً أنهم يخشون من حرب شاملة حتى أكثر منا. هذا تفوق استراتيجي بدأت إسرائيل مؤخراً تستغله. صحيح أن الطرفين يحافظان على إطار التفاهمات المتبادلة التي تقيد المواجهة، لكن إسرائيل هي التي تصعد بتقنين وحزب الله يرد. الهجمات الأخيرة على منشآت عسكرية لحزب الله في البقاع اللبناني وبعلبك، على مسافة أكثر من 100 كيلومتر عن الحدود، تعبير عن التصعيد الإسرائيلي. حرب الاستنزاف قاسية لإسرائيل، لكنها تفرض علينا، لذا لا مفر غير محاولة استغلالها لصالحنا قدر الإمكان، وبالإمكان.

هدف إسرائيل هو خلق واقع جديد في الجليل يتيح عودة السكان أو معظمهم على الأقل. إذا لم تكن إمكانية لهزيمة وسحق حزب الله في حرب شاملة، ويبدو أن مثل هذه الإمكانية ليست عملية اليوم، فالنهاية التي قد تتعايش معها إسرائيل هي تطبيق جزئي لقرار مجلس الأمن 1701 من العام 2006، الذي يلزم حزب الله بالانسحاب إلى شمال الليطاني وتجريده من السلاح. حرب الاستنزاف تخلق لإسرائيل فرصة لفرض قسم آخر من القرار على حزب الله: الانسحاب إلى ما وراء الليطاني أو على الأقل إلى 15 كيلومتراً وراء مدى نار مضادات الدروع. ليس في هذا أمن، لكن يجب بذل كل جهد.

رغم الخسائر والدمار على الحدود وإخلاء السكان، فلإسرائيل تفوق عسكري واضح على حزب الله. حتى بدون اجتياح بري، فهناك سلاح الجو والمدرعات والمدفعية وإمكانية ملاحقة مسلحي حزب الله شمالاً وتدمير كل أو معظم مواقعه حتى الليطاني فأكثر. هكذا ينبغي أن تنتهي حرب الاستنزاف. يجب الوصول إلى توافق مع الولايات المتحدة وفرنسا، ومع ألمانيا وبريطانيا (موافقة رئيس حكومة لبنان موجودة) على أن يكون حزب الله ملزماً بالانسحاب إلى مسافة متفق عليها، ويستولي الجيش اللبناني وقوة اليونيفيل الدولية على المواقع على الحدود. هل يوافق حزب الله على ذلك؟ يبدو أن نعم. وإيران قد تسلم بذلك أيضاً. في 2006 وافقوا على الانسحاب لخوفهم من مواصلة المواجهة. سيكون أملهم أن يتمكن مقاتلو “الرضوان” بعد بضعة أشهر من تنفيذ الاتفاق من التسلل إلى قرى الجنوب (ولمعظمهم عائلات هناك) وإقامة بناهم التحتية العسكرية من جديد. لن تتجرأ إسرائيل، على حد فهمهم، على المخاطرة بحرب بسبب بضعة مسلحين ومواقع. هنا تتداخل خطوة إسرائيلية أخرى من الواجب تحقيقها الآن. علينا أن نصل إلى توافق مع القوى الغربية العظمى بأن لإسرائيل حقاً كاملاً بالهجوم في أي وقت وعلى كل هدف لحزب الله فيه خرق للتفاهمات. بمعنى الإبقاء على المنطقة المتفق عليها “نظيفة” من كل وجود لحزب الله.

لكي يعود سكان الجليل، على حكومة إسرائيل أن تعلن عن التزامين تأخذهما على عاتقها: الأول، تعزيز دائم لقوات الجيش الإسرائيلي على الحدود. ثانياً، تدمير كل موقع ومقاتل لحزب الله ينكشف في المجال المتفق عليه في جنوب لبنان. نأمل بأن أي رئيس وزراء يخون هذا الالتزام ينحّى فوراً، والحديث يدور هنا عن الساحة السياسية الإسرائيلية، وليس عن حزب الله وإيران أو القوى العظمى الغربية.

--------------------------------------------

 

هآرتس 31/3/2024

 

 

كيف ينظر الفلسطينيون إلى حكومتهم الجديدة؟

 

 

بقلم: جاكي خوري

 

بيان رئيس الحكومة الفلسطيني الجديد محمد مصطفى بنجاحه في تشكيل الحكومة، التي سيؤدي أعضاؤها اليمين، استقبلته أوساط الجمهور الفلسطيني بلامبالاة. يدرك الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة أن نجاح الحكومة، إذا حدث، سيكون محدوداً ولن يمس سوى الشؤون الادارية، مثل تحسين الخدمات الحكومية المقدمة للسكان، ودفع الرواتب في موعدها، والإصلاح الإداري الذي يشمل محاربة الفساد. ويدركون أن التغيير بخصوص القضايا غير مرتبط بالحكومة والسلطة الفلسطينية، التي هي حسب أقوال مصطفى في وضع اقتصادي كارثي.

في الرسالة التي أعلن فيها عن تشكيل حكومته، عدد مصطفى التحديات التي تقف أمامه: منذ الحرب ارتفعت نسبة البطالة في القطاع من 41 في المئة إلى 89 في المئة، حسب بيانات السلطة. و73 في المئة من البنى التحتية الاقتصادية في القطاع دمرت حتى كانون الثاني، وتضررت 83 في المئة من المصالح التجارية. وأشار مصطفى إلى أن نحو 200 ألف عامل في الضفة الغربية فقدوا مصدر الدخل، وقدر الضرر الاقتصادي في الأشهر الخمسة الأخيرة بنحو 2.3 مليار دولار. حسب الرسالة، على الحكومة ديون بمبلغ 7 مليارات دولار، منها 775 مليون دولار بسبب عدم دفع الرواتب وتقديم خدمات اجتماعية لموظفي السلطة.

نقطة البداية هذه واضحة لكل مواطن فلسطيني: لا يمكن أن تتوصل السلطة والحكومة إلى تغيير بدون شبكة أمان اقتصادية من المجتمع الدولي والعالم العربي، وحتى لو توفرت فإن معظم الفصائل الفلسطينية، من بينها حماس والجهاد الإسلامي، غير راضية عن تشكيل الحكومة ولن تتعاون معها على أقل تقدير.

رئيس السلطة محمود عباس ومحمد مصطفى يمكنهما التغلب على عدم الاتفاق الوطني بخصوص الحكومة إذا نجحا في ترميم وتحسين وضع السلطة. عليهما تجنيد الموارد الضخمة. هذا في الوقت الذي من غير الواضح فيه إذا كانت حكومة نتنياهو ستساعد الحكومة الفلسطينية أو ستضع المزيد من العقبات والقيود التي ستدفن كل محاولة للمبادرة والتغيير. إن تعزيزاً حقيقياً للسلطة ومؤسساتها سيحتاج أيضاً إلى عملية سياسية محددة وواضحة. ولا شك أن نتنياهو وحكومته لا يرغبون في ذلك.

ستشكل الحكومة الجديدة من 24 وزيراً، بينهم 4 نساء. سيكون مصطفى وزير الخارجية، وفارسين اغابكيان شاهين، التي كانت وزيرة مكتبه ومن قبل عضوة في إدارة المفاوضات لـ م.ت.ف التي وقف صائب عريقات على رأسها. اغابكيان شاهين من الطائفة الأرمنية، وشغلت عدة مناصب إدارية أخرى من قبل. أما وزير المالية في الحكومة فسيكون عمر البيطار، وهو مدقق حسابات وخريج جامعة ميسوري، وقد شغل مناصب رفيعة في القطاع الخاص. وزير الداخلية، المسؤول عن الأجهزة الأمنية في السلطة، سيبقى الجنرال زياد هب الريح، الذي عُين في الحكومة السابقة ويعتبر مقرباً من عباس.

في محاولة للربط بين الضفة والقطاع، هناك ستة وزراء اختارهم مصطفى من غزة أصلاً: شرحبيل الزعيم وزير العدل، المعروف بعلاقاته الجيدة مع الولايات المتحدة، ووائل زقوت وزير التخطيط والتعاون الإقليمي؛ وطارق زعرب وزير المواصلات، وعاهد بسيسو وزير البناء والإسكان، وماجد أبو رمضان وزير الصحة، ومحمد مصطفى نجم وزير الأوقاف الإسلامية، وسيكون باسل كفارنة لشؤون الإغاثة الإنسانية. تحدثت مصادر في القطاع مع “هآرتس” أوضحت أن عدداً من الوزراء هم أبناء عائلات متماهية مع حركة فتح، مثل عائلة بسيسو، أو أنهم أبناء عائلات معروفة مثل عائلة أبو رمضان، التي حصل أبناؤها على مناصب إدارية قبل تشكيل السلطة وبعد اتفاقات أوسلو.

وأوضحت مصادر في القطاع بأن هوية وزراء الحكومة غير مهمة، مثل الموارد التي ستكون متاحة لها. والسؤال: هل ستنجح في هذه المهمة إزاء التحديات الكبيرة في القطاع وفي الساحة الفلسطينية بشكل عام؟

---------------------------------------------

 

هآرتس 31/3/2024

 

 

حكومة إسرائيل وإعلامها يتعمدان تجاهل الواقع الإنساني بقطاع غزة.. إلا وفق المصلحة

 

 

بقلم: أسرة التحرير

 

حكومة إسرائيل، ابتداء من رئيسها وانتهاء بآخر أعضائها، تتنكر لحقيقة أن الكثير ممن يعيشون في غزة هم مواطنون “غير مشاركين” ونحو نصف سكان القطاع من الأطفال. كما أن النقاش الجماهيري الإعلامي في إسرائيل يتجاهل هذا العنصر في الواقع الغزي. حتى بعد أن اجتاز عدد القتلى في القطاع، وفقاً لوزارة الصحة في غزة، الـ 32 ألفاً، منهم أكثر من 12 ألف طفل، بقي الخطاب غير مكترث بل حتى النقاش بشأن المساعدات الإنسانية يتركز على المصالح الإسرائيلية دون إعطاء الرأي في العنصر الإنساني.

“كمية الغذاء التي تدخل إلى غزة في هذه اللحظة غير كافية للبقاء الإنساني”، قال لـ “هآرتس”، خبير الصحة البروفيسور فرنتشسكو تشتشي من جامعة لندن. وحسب الأمم المتحدة، كل شخص في غزة يعاني من هذه الدرجة أو تلك من نقص في الغذاء ونحو ربع الغزيين يتضورون جوعاً. أكثر من 50 ألف امرأة حامل في غزة في خطر عال، ونحو 90 في المئة منهن يعانين من نقص خطير في الغذاء. وثمة معدل مشابه واضح أيضاً في أوساط الأمهات المرضعات، كما أشارت منظمة الصحة العالمية في تشرين الثاني. في الأسابيع الأخيرة، أفادت وزارة الصحة في غزة بـ 27 حالة وفاة جراء سوء التغذية، منهم 23 طفلاً. الوضع في شمال القطاع هو الأخطر؛ حيث 15.6 في المئة من الأطفال دون سن السنتين – واحد من كل ستة أطفال صغار – يعانون من سوء تغذية حاد.

صحيح أن الجيش الإسرائيلي يسمح بدخول مساعدات إنسانية، مستلزمات طبية وغذاء، لكن حسب منظمات دولية فإن كمية المساعدات لا تكفي، وهي توزع بشكل غير منظم ولا تصل إلى عموم السكان. المعطيات والصور التي تنشر في العالم لأطفال غزيين جوعى، ممن يصطفون أمام مطابخ جماعية لنيل وجبة مرق دافئة لعائلاتهم، مشاهد تثير نقداً شديداً على إسرائيل من جانب دول مختلفة.

للتصدي لهذا النقد، تعمل الحكومة هذه الأيام على إقامة قوة متعددة الجنسيات تحمي إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة. ستكون مهمتها الحماية المؤقتة للرصيف الذي تقيمه الإدارة الأمريكية على شواطئ غزة ولقوافل الشاحنات التي تنقل المساعدات داخل القطاع. وتأتي إقامة القوة متعددة الجنسيات تحقيقاً لهدفين: إضعاف حكم حماس بحيث لا يكون رجالها مشاركين في توزيع المساعدات؛ ومساعدة إسرائيل في مواجهة الضغط الأمريكي لتوسيع المساعدات وتحسين شكل نقلها إلى السكان.

لكن ثمة غاية واحدة ستقام لأجلها قوة كهذه نسيت: المساعدات الإنسانية معدة أولاً وقبل كل شيء لإبقاء السكان المدنيين على قيد الحياة بشكل إنساني. في الوضع الحالي، إسرائيل هي القوة المحتلة في غزة، وحسب القانون الدولي عليها أن تحرص على احتياجات السكان الذين تحت سيطرتها، ومنهم نساء، وأطفال، وشيوخ ومرضى. محظور نسيان هذا.

---------------------------------------------

 

يديعوت أحرونوت 31/3/2024

 

 

بمماطلة نتنياهو وتهميش المخطوفين: هكذا غرقنا في وحل غزة

 

 

بقلم: رونين بيرغمان

 

منذ بداية الحرب بدأ المحللون يستخدمون تعبير “ينبغي أن يقال بصدق” كلما أرادوا قول شيء ما غير إيجابي أو غير لطيف أو غير مفتخر على إسرائيل وجهازها الأمني. هذا تعبير غريب بعض الشيء. إذ كان “ينبغي أن يقال بصدق”، فما الذي فعلناه حتى الآن؟

السؤال “كيف تصرفت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تجاه جملة أنصاف الحقائق والأخطاء وصرف الانتباه والألاعيب الإعلامية باسم الوطنية المزعومة لخلق صورة شوهاء عن الوضع” هو سؤال سيطرح حتماً ويؤدي إلى حساب النفس.

لكن إذا استخدمنا اللغة نفس فينبغي أن يقال بصدق إن كل شيء عالق. دولة إسرائيل تراوح في ميدان المعركة، وتغرق في وحل غزة الذي خلقته لنفسها، وتتدهور إلى الهوة في العالم السياسي والدولي.

وثمة شيء آخر يجب أن يقال بصدق: دولة إسرائيل تترك المخطوفين لمصيرهم ولا تضعهم في رأس القائمة ولا حتى ضمن المواضيع الثلاثة الأولى، في رأس سلم الأولويات.

أمس، 30 آذار، تكتمل أربعة أشهر على تفجير وقف النار وصفقة المخطوفين مع حماس. أربعة شهر في قسمها الأكبر ضاعت هباء.

الكابينت ورئيسه يتصرفان بطريقة التسويف و”رُح وعد” مع طاقم المفاوضات، الذي يواصل عدم تلقي ما يكفي من التفويض لخوض مفاوضات سريعة للوصول أخيراً إلى “صفقة إنسانية” تضم تحرير 40 مخطوفاً. وعندما تنتهي، سيكون ممكناً خوض المفاوضات على الجنود المخطوفين.

من ناحية كل اللاعبين المشاركين في موضوع المفاوضات والتجربة الفاشلة، يروى لهم حالياً عن تقدم؛ عن “اليومين التاليين الحرجين” وعن المرونة الكبيرة والهائلة لحكومة إسرائيل.

وقال أعضاء الطاقم المفاوض في المداولات التي تأجلت لثلاثة أيام بسبب دخول السبت قبل أسبوعين إن “المُلحّ هو معاناة المخطوفين في غزة”، ولا احتمال لموافقة حماس على شيء مع ذلك التفويض الذي أعطاه نتنياهو لهم. رفض نتنياهو أن يعطي أكثر، وقال لهم اعرضوا الموقف، وإذا رفضت عودوا لتلقي تفويضاً آخر. رفضت حماس، فعاد الطاقم من الدوحة إلى البلاد. في جلسة الكابينت الأخيرة، بعد أن ضاع أسبوعان من عيش المخطوفين في جحيم غزة، نزعت الأقنعة ووقف نتنياهو بشكل قاطع مع الوزراء المتطرفين ضد حل وسط إضافي.

أفادت دانا فايس، أمس، بأنه عقب الواقع الرهيب الذي كشفت عنه المخطوفة عميت سوسانا في مقابلة مع “نيويورك تايمز”، غيّر العديد من وزراء الليكود رأيهم، وباتوا يؤيدون الآن تنازلات يعتقد رئيس الموساد أنها قد تحدث صفقة.

في كل ما يتعلق بالمخطوفين، من الصعب الافتراض بأنه يمكن للأمر أن يكون أسوأ. والدليل أنه بدون صفقة سيذوي المخطوفون، وتنشغل إسرائيل بأمور كثيرة، ولكنهم ليسوا بينها.

في 23 أكتوبر عندما كان الجدال حول الخطوة البرية أو إعطاء فرصة للمفاوضات التي كادت تنضج لصفقة المخطوفين، كتبنا هنا، أنا وناحوم برنياع، بأنه “فضلاً عن الجدال حول توقيت المناورة، نشأت أزمة ثقة بين نتنياهو والجيش وداخل “الكابينت الضيق” و”الكابينت الموسع”. أزمة الثقة ضرر إضافي إلى ضرر 7 أكتوبر، يصعّب التركيز على الحرب وعلى اتخاذ القرارات، بما فيها القرارات الأليمة. إسرائيل بحاجة الآن إلى زعامة فاعلة تركز على مهمتها. هذه “ورطة 23”. ورطة 23 أصبحت الآن ورطة 24 مع حكومة لا تؤدي مهامها، وكابينت موسع منقسم ومشلول.

ينبغي القول وبصدق إنه في معظم الأماكن والمواضيع والمستويات والمجالات التي خلق فيها عالم جديد بعد 7 أكتوبر، فإن دولة إسرائيل بما فيها أسرة الاستخبارات والجيش وكذلك موضوع المخطوفين، لم تستعِد المبادرة وتكاد ظاهرة العبقرية اليهودية تختفي، إلى جانب الشقاوة الإسرائيلية وإحساس الابتكار وأمة الاستحداث. فمحافل الحكومة الثلاثة، مثل الجيش أيضاً، تعنى بردود الفعل ولا تبادر لخطوات واسعة مفعمة بالإقلاع وكثيرة الخيال. كان ينبغي للجيش الإسرائيلي ورئيس الأركان هليفي أن يأتيا إلى الكابينت ويقولا إن المخطوفين يذوون، وإن دولة إسرائيل ملزمة بتغيير الاتجاه، وأن تضع مصيرهم على رأس سلم الأولويات، قبل اعتبارات أخرى.

تتعلق الأمور أيضاً في كل ما يتعلق بالجيش؛ هليفي يشدد على جاهزية الجيش لتنفيذ كل خطة أو أمر يصدر عن الحكومة، فهو يساند أعمال اللواء نيتسان ألون في المفاوضات، لكنه لم يقلب الطاولة ولم يقل ما يكفي عن تضليل الجمهور، وكأن بإمكانه هزيمة حماس وتفكيكها من قدراتها العسكرية والسياسية وتحرير المخطوفين في الوقت نفسه، ومع جهة مركزية، وزير الدفاع غالنت هو المعارض المركزي للتنازل إزاء مواضيع بتر القطاع وإعادة اللاجئين إلى الشمال.

الجيش الإسرائيلي حسب خططه، هو نفسه لم يحقق أهدافه وليست له “سيطرة عملياتية” في أرجاء القطاع مثل تلك التي كان يفترض أن يمتلكها مع انتهاء المرحلة الثانية في نهاية كانون الأول. وحسب مصادر استخبارية أمريكية، نجح في قتل ثلث عدد رجال حماس فقط، ودمر ثلث أنفاقها فقط. منذ منتصف كانون الثاني، لم يتقدم الجيش في القطاع باستثناء عمليات موضعية فضلاً عن أنه لم يحرر مخطوفين، رغم وعد بأن هذا مرتبط بذاك.

وسبب ذلك بأن نتنياهو يحبط أي محاولة لقطف ثمار سياسية مع الإنجازات العسكرية، وأنه غير مستعد للتحدث عن السلطة الفلسطينية لليوم التالي، بل ويدهور العلاقات مع الولايات المتحدة. لكن بعضاً منها أيضاً يرتبط بأداء وقدرات الجيش، وبأن الجيش وعد شيئاً يجهل إمكانية تنفيذه. الجيش لا يضرب على الطاولة ويطالب بصفقة ويقول إنه معني بوقف نار، وهذه رغبة بعض قياداته ممن هم مسؤولون عن إخفاق 7 أكتوبر، بخروج بإنجاز مهم ما وعدم التنازل إلى أن يتحقق.

“كل المسائل مرتبطة”، قال أحد قدامى وخبراء المفاوضات في المخطوفين والمفقودين بما فيها المفاوضات الحالية. “الصفقة لا تقف وحدها – مخطوفون، انسحاب، اليوم التالي، حركة الفلسطينيين شمالاً، الشمال – حزب الله. ثمة من لا يريد أن يحقق نهاية للمسائل؛ لأن نهاية هذه المسائل هي بداية قصص أخرى – استقالة، ولجنة تحقيق، وربما انتخابات”.

---------------------------------------------

 

هآرتس 31/3/2024

 

 

العالم لإسرائيل: إبادة ذات أبعاد توراتية.. لا مرحباً بالبرابرة الجدد

 

 

بقلم: ايريس ليعال

 

منذ نصف سنة ونحن غارقون في ظلام المعرفة والمعلومات، لذلك نعيش في شعور عدم يقين عميق. وفي هذا العصر من فقدان الاحترام للحقيقة والوقائع، اعتاد الناس تلقيم أنفسهم بأكاذيب مريحة ويريدون المزيد من هذا المخدر. ولأننا إلى جانب ذلك فقدنا الرغبة في فهم العالم على أساس حقائق ومعطيات، فكل منا يختار الواقع الذي يريحه.

قبل بضعة أيام، شاهدت عاصفة مقرفة في الإنترنت من الدرجة الأولى. غردت “سيكون هذا ثمناً باهظاً لما فعلته إسرائيل في غزة. هذا دمار بأبعاد توراتية، قتل جماعي لمدنيين بينهم أطفال، ويبدو أن معظم الجمهور يعتقد أن هذا عقاب مبرر ولا فكرة لديه عن صورتنا أمام العالم. البرابرة الجدد في العالم، المتعطشون للدمار والمنبوذون. تلطخ اسمنا إلى الأبد”.

ايلا ترافلز، لمن لا يعرف، هي مبادرة إعلامية خاصة لفتاة اسمها ايلا كينان، كتبت مدونة سفر ولكنها وجدت نفسها بدون عمل عندما اندلعت الحرب، فتجندت للترويج لإسرائيل في العالم. هناك وجه تشابه بين تسويق الرحلات السياحية والأماكن الساحرة وبين الدعاية. ولكن أن تشرح الآن ما تفعله إسرائيل في غزة على أنه أخلاقي مثل أن تقوم بالعلاقات العامة لتجار مخدرات.

المهم أن الرد على تغريدتي كان غضباً يخترق المعسكرات. من المعارضة لنتنياهو هاجمني صحافيون كبار، وسياسية سابقة وناشطة. وتجند من مؤيدي نتنياهو لجهود كبار المذيعين في القناة 14. تنافس اليمين واليسار معاً حول من يهاجمني أكثر بسبب إشارتي إلى حقائق بسيطة: كارثة تحدث في غزة. أكثر من 50 في المئة من القتلى، هذا لا يشمل من يموتون جوعاً، هم من المدنيين. هكذا، عرفت أن من قدموا هذه الوقائع ووصفوا تلك الحقائق يعتبرون أحياناً في نظر الجمهور، بالأساس في فترة الحرب، أشخاصاً خطيرين ومعادين تقريباً كأعداء من الخارج.

يكفي أن نتذكر كيف هوجم، قبل شهر، الذي قال ما يقوله الجميع بشكل علناً، أن نتنياهو لا يريد إعادة المخطوفين، كي نعرف قوة الإيحاء للقمع.

 

“جوانب من الخداع، خداع النفس، خلق صورة، أدلجة ونفي الحقائق”، كتبت حنه ارنديت عن وثائق البنتاغون، لكنها لا تخص حرب فيتنام فقط. وحرب بوش الثانية وغزو العراق وأفغانستان كانت من وراء ستار لا يمكن تصوره من الأكاذيب. الأنظمة الديمقراطية التي تشن الحروب الطويلة، التي لا أهداف لها وباهظة الخسائر البشرية، تنشغل بخلق صورة لحرب ناجحة – الحرب في غزة ليست مختلفة، فهي في الواقع بدأت بعملية إرهابية قاتلة داخل حدود إسرائيل، وحظيت بسبب ذلك بتعاطف مبرر في العالم، لكنها كشفت أيضاً فشلاً عسكرياً وسياسياً لا يمكن تصوره.       

ليس صدفياً أنه لا إجابة عن الأسئلة الدائرة حول الحرب وحول مكانة المخطوفين في سلم. في الكابنت السياسي – الأمني أشخاص كانوا رؤساء أركان في فترة “التصور”، رئيس الحكومة الذي تهرب من المسؤولية والضباط الكبار في جهاز الأمن الذين يسيطر عليهم الشعور بالذنب، الذين كانوا سيعطون كل ما لديهم من أجل إعادة الدولاب إلى الوراء.

إن حاجة جميع المشاركين إلى إنقاذ الكرامة التي تضررت هي جزء من الفوضى العسكرية التي يعترف بها الجمهور بأنها شر لا بد منه. سيبرز الشيء التالي في كل مرة، الذي يغير المعادلة إلى الأبد. الآن رفح، وفي القريب حرب مع حزب الله. في هذه الأثناء، تقول شخصيات مجهولة رفيعة “بدأنا نفقد المخطوفين”. حماس أعلنت هذا الشهر عن قتل ستة من المخطوفين في الأسر، لكننا نتجاهل ذلك بذريعة وجوب عدم التعاون مع الحرب النفسية. والآن أصبح الجميع عبيداً بشكل طوعي لمناورة علاقات عامة كبيرة حول نجاح الحرب، ويأكلون كل هذه الهراءات عن علم وبسرور. ولكن الحقيقة أننا خسرنا.

---------------------------------------------

 

إسرائيل اليوم 29/3/2024

 

 

جيش مهووس بملاحقة السنوار ورئيس حكومة يفقد الاستراتيجية والتكتيك.. ودولة تراهن على “جوكرها”

 

 

بقلم: يوآف ليمور

 

مراوحة – لا توجد طريقة أخرى لوصف ما يحصل الآن في غزة. فريق قتالي لوائي يعمل في خان يونس. وفريق قتالي آخر يعمل في شمال القطاع – وهذا هو. ما هكذا ينتصر في الحرب.

في الضفة الآن كتائب مقاتلة أكثر مما في القطاع، بهدف منع موجة إرهاب تتحول إلى انفجار واسع. في خلفية جملة إخطارات وشجون شهر رمضان، باتت بطانية القوات السميكة ضرورية تماماً. في الشمال أيضاً تعزز القوات خوفاً من التدهور إلى حرب مع حزب الله. بعض من هذه القوات – غولاني، المدرعات، الهندسة – وصلت بعد فترة طويلة في غزة. وقد سمحت بتحرير الاحتياط مما ترك ساحة الحرب الأساسية في الجنوب هزيلة جداً.

تعهدت الحكومة بنتيجتين في الحرب: إعادة المخطوفين وهزيمة حماس. تسوية هذين الهدفين ليست أمراً هاماً: فليس للمخطوفين وقت. في كل أسبوع يبشر بمخطوفين آخرين ماتوا في الأسر. عميت سوسانا أعطتنا إطلالة على من تبقى هناك على قيد الحياة إذا كان يمكن أن نسمي هذه حياة. حتى من عاد ليس حياً بالضبط. فالكثيرون منهم لا يزالون يعالجون صحياً، كلهم يعالجون نفسياً وبعضهم ليسوا معنا على الإطلاق.

المفاوضات لتحرير المخطوفين تفجرت هذا الأسبوع على خلفية رفض إسرائيل الاستجابة لمطلب حماس إعادة سكان شمال القطاع إلى بيوتهم. ثمة منطق في المعارضة الإسرائيلية: فإذا عاد السكان إلى شمال القطاع، فستعود حماس بعدهم، وفي اللحظة التي تعود فيها ستعيد بناء نفسها أيضاً، وعندها ستهاجم، مما يمنع عودة السكان إلى الكيبوتسات في الغلاف ويلزم الجيش بالعودة إلى هذه المنطقة بقوات أكبر، التي سبق أن حسمت في معظمها.

توجد طرق لتربيع هذه الدائرة. مثلاً تقييد عُمر وجنس العائلة أو الأحياء التي يتاح لهم العودة إليها. هناك حاجة إلى إبداعية وجرأة وتصميم، وبالأساس الفهم بأنه لا يوجد بديل. المخطوفون تركوا لمصيرهم مرة واحدة في 7 أكتوبر ومحظور أن يتركوا مرة أخرى.

المشكلة أن الحرب علقت مع المفاوضات. والحجة القائلة إن العملية في خانيونس لم تستنفد بعد، هي قصة تغطية على الأمر الحقيقي: إسرائيل تعيش منذ ثلاثة أشهر في ملاحقة مهووسة ليحيى السنوار، بينما تمشط خان يونس طولاً وعرضاً (وأساساً عمقاً)، كان يمكنها احتلال رفح ومعسكرات اللاجئين في وسط القطاع. إن قتل السنوار لن يحررها من ذلك. بعد أن تهدأ أصوات الفرحين بموته، سيتبين أنه لم يحصل تغيير جذري في غزة. سيبقى سكانها مع مشاكلهم، وستبقى حماس مع إرهابها وسنبقى مع كليهما.

إذا كانت إسرائيل تريد هزيمة قوات حماس المتبقية (أربع كتائب في رفح وكتيبتان في معسكرات الوسط، ورموز حكمها الأخيرة، وأساساً في رفح) فعليها أن تعمل. لذا، عليها حشد القوة، والشرعية – ثم تنطلق على الدرب. في كل يوم يمر تفقد إسرائيل الشرعية وتبتعد عن احتمال استكمال المهمة.

 

الانهيار الاستراتيجي

 

يمكن الجدال حول من هو الرئيس الأكثر وداً لإسرائيل، بايدن أم ترامب. كلاهما فعلا الكثير من أجلنا، مباشرة وبشكل غير مباشر. كلاهما شريكان في الأهداف العليا للحرب – هزيمة حماس وإعادة المخطوفين. يختلفان مع إسرائيل على الطريق، ويمقتان نتنياهو. لا حاجة للإكثار من الحديث عن الشرخ مع بايدن؛ فهو يدهور وضع إسرائيل، لكن كان يمكن أن نتعرف على عمق الشرخ مع ترامب من مقابلة حصرية مع “إسرائيل اليوم” هذا الأسبوع، والتي غابت عنها كلمة واحدة بشكل بارز: نتنياهو.

يعتقد كثيرون أن نتنياهو يفاقم الأزمة مع الأمريكيين عن قصد. هذا يعرضه كزعيم قوي لا يستسلم حتى لقوة عظمى، ما يعزز قوته في قاعدته. ليست لدي فكرة إذا كان هذا صحيحاً أم لا. مهما يكن من أمر، فإن هذا بائس وخطير. إسرائيل تراهن على جوكرها، بينما كل خصومها يفهمون أنها لا تملك أي ورقة أخرى في كمها.

نتنياهو تكتيكي عظيم، ينتحر على كل موضوع ويواصل إلى الموضوع الآخر. لا يملك معارك صغيرة – كل شيء ملح، كل شيء وجودي. ولهذا ينجح في البقاء في الحكم طوال سنوات. كل شيء يعد لديه تهديداً، وكل تهديد يعالج فوراً. المشكلة أنه لا استراتيجية لديه من كثرة التكتيك. وإن امتلكها فستنهار.

المثال الأبرز إيران. فعلى مدى 15 سنة حكمه (وقبل ذلك بكثير) قال نتنياهو إن النووي الإيراني هو الخطر الأكبر على إسرائيل. باسمه دحر كل شيء جانباً: من أراد معالجة حماس صُدّ، إذ يجب التركيز على إيران. من سعى لمعالجة حزب الله صُد أيضاً، إذ يجب معالجة إيران. من طلب ميزانيات يُصد، إذ يجب معالجة إيران.

في الأسبوع الماضي، عرضنا تقدماً في المشروع النووي الإيراني. باختصار: إيران أكثر قرباً إلى القنبلة، وإسرائيل بعيدة عن وقفها. حصل هذا في وردية نتنياهو، بسبب أخطائه، مثل انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وتقليص التمويل لخطة الجيش الهجومية في إيران.

صحيح أن الخطوات التي اتخذت أخرت إيران، لكن لم تحرفها عن طريقها. والنتيجة أن استراتيجيته كلها انهارت: إيران لم توقف، وحزب الله لم يضعف، وحماس لم تردع، إسرائيل لم تعزز قوتها. هذا الفشل يقبع في أساس إخفاق 7 أكتوبر (لا يعفي جهاز الأمن من مسؤوليته عن غياب الردع وعدم إعطاء جواب دفاعي لهجمة حماس)، وهو مسجل كله على اسم نتنياهو.

هناك من يدعي بأن نتنياهو يمكنه قيادة إسرائيل في زمن الأزمات هذا. مطلوب أن نسألهم كيف يعطون ثقة لمن أخفق هكذا أكثر من مرة في أكثر من جبهة. لكن لو تأزر نتنياهو بالشجاعة ووقف لمقابلة، لاكتفى بأربعة أسئلة. كيف يعتزم الانتصار في غزة بدون قوات؟ كيف يعتزم إعادة المخطوفين بدون مفاوضات؟ كيف يعتزم تغيير الوضع في الشمال بدون حرب؟ وكيف يعتزم ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة بدون علاقة ناجعة مع المرشحين للرئاسة؟

لن يجري نتنياهو المقابلات ولن يجيب أيضاً. منذ سنين وهو يخاف المقابلات، ويتهم الإعلام بأنه معاد له، لكن في إعادة صياغة جملة كلينتون الشهيرة في حملته الانتخابية أمام جورج بوش – It’s the economy, stupid. إنه الاقتصاد يا غبي. المشكلة ليست في الإعلام، ونتنياهو ليس غبياً: هو المشكلة.

---------------------------------------------

 

هآرتس 31/3/2024

 

 

اضطهاد "بتسيلم" الذي لم يبدأ أمس

 

 

بقلم: جدعون ليفي

 

كنا سنعرف قدرا أقل عن الاحتلال لو لم يتم إنشاء "بتسيلم". أغلبية الإسرائيليين ووسائل الإعلام، هذا لم يكن بالنسبة لهم أمرا مهما. هم يرفضون أن يعرفوا وأن ينشروا. ولكن الصورة الأخلاقية لإسرائيل كانت مهمة جدا لها. عندما يسألون ما هو الجيل في إسرائيل، فإن "بتسيلم" هي اختيار جيد للإجابة.

اضطهاد "بتسيلم" الذي لم يبدأ أمس فقط، الآن ينضم إليه مؤيدو اليسار وحقوق الإنسان. "بتسيلم" لم تلبّ المواصفات السليمة. فهي لم تقم بإدانة أحداث 7 تشرين الأول (اكتوبر) بما فيه الكفاية بعد الإدانة الأولى في 9 تشرين الأول (أكتوبر). اليوم لا يمكنها أن تعارض الحرب وتظهر الصدمة من جرائمها وأن تظهر الخوف على مصير غزة والشعور بالرحمة تجاه سكانها دون أن تبدأ قولك بإدانة جرائم حماس. عنات كام قالت ("هآرتس"، 27،3) بأن اورلي نوي ويولي نوفيك، من رؤساء الجمعية، فشلتا في التعامل بشكل مناسب مع المذبحة، عندما يقال مذبحة، فإن القصد فقط هو 7 تشرين الأول (اكتوبر). كام اقتبست نوفيك التي اعتبرت المذبحة "عملية مقاومة أو انتفاضة ضد الابرتهايد"، لكن أحد موظفي "بتسيلم" ايال رؤوبين، قال إن نوفيك قالت إن العملية كانت غير شرعية.

مذبحة 7 تشرين الأول (اكتوبر) كانت وبحق عملية انتفاضة ومقاومة، غير شرعية ضد احتلال وابرتهايد غير شرعي ومجرم بدرجة لا تقل عن ذلك. من هنا وحتى الملامة ضد "بتسيلم" فإن المسافة طويلة. ليس فقط أن "بتسيلم" كانت وما تزال منظمة شرعية، بل إن النضال من أجل وجودها يجب أن يتعزز الآن، في أيام الحضيض الفظيعة جدا لجرائم الحرب وخرق القانون الدولي وسحق حقوق الإنسان.

لا، يا عنات كام، لا توجد حاجة إلى الاختيار بين حقوق الإنسان والقومية الفلسطينية. هناك شك كبير إذا كانت المذبحة قد نفذت باسم القومية المتطرفة. الكراهية تتغذى بالأساس على الاحتلال. إذا كان يجب الاختيار، فإنه في الواقع بين الدولة اليهودية والدولة الديمقراطية، لأنه لم يعد بالإمكان وجود كليهما. أيضا النضال ضد الحرب في غزة والابرتهايد لا يجري باسم القومية الفلسطينية، بل باسم الأخلاق والقانون الدولي. لا يوجد لدي ما أقوله ضد القومية الفلسطينية وأيضا ضد "بتسيلم".

لا، يا عنات كام، في "بتسيلم" لم ينسوا أنهم "جمعية لحقوق الإنسان وليس حركة لتحرير غزة"، كما كتبت، ولا يجب "تذكيرهم بذلك". لا يمكن أن تكون جمعية لحقوق الإنسان دون أن تكون حركة لتحرير غزة، لأنه لا يوجد حقوق إنسان من دون تحرير غزة.

تحرير غزة والضفة هو المفتاح، الذي يجب أن نحارب عليه، وهذا ما تقوم به "بتسيلم". اليسار يجب عليه حني الرأس تقديرا لـ"بتسيلم"، لا أن يقدم لها المواعظ الأخلاقية حول عدم امتثالها للمواصفات السليمة.

أنا مسافر دائم في "بتسيلم". معظم أعمالي الميدانية تعتمد على الباحثين فيها. لم أقم بزيارة مكاتبها في أي وقت، لكن تقريبا لا يوجد أسبوع ذهبت فيه إلى المناطق من دون مرافقة باحثيها الفلسطينيين المتميزين والموثوقين والمهنيين. هم الذين شاهدوا كل شيء، والذين يبكون أحيانا، لا سيما في الفترة الأخيرة. هم الذين شاهدوا كل شيء ولم يتنازلوا في أي وقت عن الحقيقة، وهم يواصلون تحقيقهم بجدية. ربما بسبب ذلك كان هناك من بينهم من شككوا بتقارير إسرائيلية عن 7 تشرين الأول (اكتوبر). هذا كان يصعب استيعابه. أنا تناقشت معهم بشكل حاد وتأسفت، لكن هكذا هو الأمر عندما نكون عرضة خلال عشرات السنين لأكاذيب الاحتلال. عندما طلبت في الأسبوع الماضي من نائبة المتحدثة بلسان "بتسيلم"، شريت ميخائيلي، معطيات عن القتلى الفلسطينيين في الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول (اكتوبر)، كان يمكنها أن توفر لي معطيات فقط حتى نهاية شهر شباط (فبراير). عمليات القتل في شهر آذار (مارس) لم يتم استكمال التحقيق فيها. في العالم وحتى في الجيش الإسرائيلي يعرفون دقتهم، لذلك، فإن بيانات "بتسيلم" تعد موثوقة جدا.

النقاش الذي جرى في اليسار حول "بتسيلم" كان في ظل قضايا أعمق: هذا اليسار لا يتوقف عن البحث لنفسه عن مبررات للحرب الفظيعة وصمته المهين أمامها، أيضا هو يريد حرف الانتباه عن جرائمها. "بتسيلم" لن توفر له ذلك.

---------------------------------------------

 

إسرائيل ليست دولة كل من يخدمها

 

 

إسرائيل اليوم 31/3/2024

 

 (المضمون: هل يمكن لإسرائيل أن تكون دولة كل من يخدمها؟ اختبار النتيجة يقول إن لا - المصدر).

منذ ثلاثة عقود تقريبا وإسرائيل توجد في ازمة تسمى «تجنيد الحريديم» والمساواة في العبء، منذ ثلاثة عقود يجري حوار طرشان وأساسا يجري تهديد سياسي، حزبي وائتلافي.

الان أيضا، حين تكون الازمة في ذروتها، فانها لن تحل، لانه ليس لاي جهة تشارك في هذا أي نية لحلها، حل المسألة ستغير وجه دولة إسرائيل كلها، وهذا ما تخافه كل أطياف المجتمع الإسرائيلي: العلمانيون المعنيون بالمساواة، الحريديم الذين في هذه الاثناء غير معنيين وكذا العرب الذين يمكنهم بالذات ان يفوزوا هم أيضا اذا ما شملهم الحل.

لم يتجرأ أي رئيس وزراء في العقود الثلاثة الأخيرة لان يأخذ الخيوط في يديه وان يقرر في هذا الشأن. كلهم متعلقون بالاحزاب الحريدية التي منذ قيام الدولة رأى بن غوريون فيهم جماعة اضطهدت في أوروبا وعانت جدا وبالاجمال أراد للوضع الراهن ان يبقى كي يحمي هذه الجماعة في إسرائيل.

الحوار عن التجنيد يتركز منذ سنوات عديدة على الحريديم أساسا، ويكاد لا يلمس العرب. اذا كان ثمة ذكر ما – فهو في الهوامش. والسبب واضح أي من أصحاب القرار غير معني بان يفتح مثل هذه الامكانية. أي من أصحاب القرار غير معني بان يفتح حوارا مع السكان العرب لان المطلب سيكون واضحا - اندماج كامل، وإسرائيل ستكون دولة كل مواطنيها.

هذا هو السبب الأساس إضافة الى أسباب أخرى، برأيي، هي امنية: الخوف من أن يكون للعرب في جهاز الامن سقف زجاجي في مرحلة ما تجبر محكمة العدل العليا الجيش بالغائه، وهكذا نحصل بعد 30 أو 40 سنة على مفتش عام، رئیس ارکان او رئيس شباك عرب.

المساهمة للدولة ليس من الواجب أن تكون عسكرية. هنا أيضا الدولة - او للدقة أصحاب القرار فيها – لا ترى العرب كجزء من الموضوع. رغم أن معدل العرب الذين يخدمون في خدمة مدنية ازداد في العقد الأخير بعشرات في المئة، لا تزال تنقص ملاكات وتمويل هام.

كل فكرة القمة المدنية يجب أن تتغير كي تتضمن كل الوان المجتمع في إسرائيل، وهذا التغيير يجب أ أن يتم بمشاركة أصحاب الشأن. مثلما لا يمكن تجنيد الحريديم للجيش بالقوة، هكذا أيضا لا يمكن تجنيد العرب لخدمة مدنية بالقوة.

ان هدف الخدمة من اجل المجتمع يفترض أن يكون أساس التكافل المتبادل، الحرص على الفرض، على العموم وعلى العطاء، وبالذات الجمهور العربي، الذي اكثر من نصفه هم شباب يمكنه أن يقدم مساهمة هائلة لبلداته، لمنطقته وللمنظمات التي توجد في داخل البلدات العربية ينبغي معرفة كيفية بناء آلية مدنية صحيحة ومناسبة، تتلقى مساهمة سنتين - ثلاث سنوات من حياة الشاب وتعرف كيف تعيد هذا في التعليم، في التأهيل وفي الاندماج.

هل يمكن لإسرائيل أن تكون دولة كل من يخدمها؟ اختبار النتيجة يقول إن لا. إذ أنه مع ان أجزاء واسعة من المجتمع العربي يخدمون في الجيش وفي الخدمة المدنية لا تزال الدولة لا تنجح في احتوائهم. معروف عن تجربة الطائفة الدرزية وعن عطائها من اجل الدولة ومن اجل الشعب اليهودي. فما الذي حصل عليه أبناء الطائفة في النهاية؟ قانون القومية وقانون كامينتس.

 

التغيير يمكن أن يحصل اكثر مما نعتقد لكن هناك حاجة لزعماء يحددون هدفا ويحرصون على إدارة حوار صحيح يضمنان لإسرائيل ان تكون دولة كل من يخدم فيها أو يخدمها. دولة كل جنودها.

------------------انتهت النشرة-----

أضف تعليق