18 كانون الأول 2018 الساعة 16:06

الروائية السورية أسماء معيكل تعالج بالسرد حال بلادها في «تل الورد»

2018-12-06 عدد القراءات : 60
بيروت - صدرت حديثا رواية بعنوان «تلّ الورد» للروائية السورية أسماء معيكل عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، وجاءت موزعة على العناوين التالية: جنّة الورد، ربيع بلا زهور، في بيت آل عثمان، هبّات ساخنة، العبور إلى أرض الأحلام، الدكتور، جواز سفر إلى الجنة، العودة، حبطراش».
ختمت الكاتبة روايتها بفصل هو ذروة الرواية، وجاء بعنوان «حبطراش»، وحبطراش لفظة مستخدمة في اللهجة الشامية، تحيل على الخراب الذي لا سبيل لإصلاحه. وفي اتصال قوي بفكرة الازدهار والأفول بدأت الرواية بالزهور والعطور، والشذى والأريج، وانتهت بروائح الموت من نتانة الجثث المجهولة، وعفونة البيوت المهجورة، والتهمت المقبرة الصغيرة القرية كلها. بدأت الرواية بتل يزهو بالورود، وربيع يخلب الألباب، وشخصيات طافحة بالزهو والكبرياء، وانتهت بحطام كامل «حبطراش».
صوّرت الرواية حياة عائلة راغد المعرّاوي وزوجته حسيبة اللاذقاني، وأبنائه عمران وربيع وباهرة، وكنّته كافي زوجة عمران وحفيده حيّان، وهي تعيش في قرية افتراضية تدعى «تلّ الورد» حياة مطمئنة هادئة، ما لبثت أن اضطربت لتتشظى العائلة ويلقى أفرادها مصائر متقاطعة تشبه مصائر الشخصيات في الملاحم القديمة. وقد مهّدت الكاتبة في الفصل الأول، جنّة الورد لطبيعة الحياة التي كان يعيشها الناس في تل الورد، البلاد التي تشبه الجنة بأشجارها وورودها وعلاقات المحبة والتآخي والتعاون بين أهلها، لكنها كشفت من جانب آخر عن وجود بؤر عميقة كامنة، سرعان ما ستنفجر وتشتعل مثل النار في الهشيم، ليتحول السكون والهدوء والوداعة التي كانت تحياها تل الورد وأهاليها إلى اضطرابات وفوضى عارمة بدأت سلمية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى عنف غير مسبوق، بعد أن سفكت الدماء، فعمّت الفوضى، وتشتت الأسر بين مؤيد ومعارض لما يحدث، ولم تنج عائلة المعراوي من هذا الصراع، فقد وجد المعـــراوي ابنيه على طرفي نقيض الأول ربيع الذي دُفع للانشـــقاق عن المخفر الذي كان يعمل فيه بعد تعرضه للاعتقال والتعذيب، لأنه رفض إطلاق النار على أبناء قريته، ومضى ليصنف على أنه إرهابي، والثاني عمران الذي لم يكن يرغب في أن يكون طرفا في هذا النزاع، لكنه وجد نفسه في الطرف النقيض لأخيه، وأمام هذا المأزق ما كان من المعراوي وزوجته حسيبة بتشجيع عمران وعائلته الصغيرة إلا النزوح، فالوالدان لا يرغبان برؤية أحد أبنائهما يقتل الآخر.
ختمت الكاتبة روايتها بفصل هو ذروة الرواية، وجاء بعنوان «حبطراش»، وحبطراش لفظة مستخدمة في اللهجة الشامية، تحيل على الخراب الذي لا سبيل لإصلاحه.
فرّ عمران مع زوجته وابنه الصغير تحت جنح الظلام إلى تركيا، وانتهى الأمر بتسليم ابنهما حيان للمهربين ليلقوا به بين العشرات في قارب عرض البحر ليخوض رحلة النزوح إلى أوروبا، وليكون وسيلة لإنقاذ والديه. وبالتزامن مع وجود عمران وزوجته في تركيا، تعود الكاتبة لتكشف ما حل بتل الورد عبر شخصية الأخت الكبيرة باهرة الشاهدة على مصائر فاجعة لبقية أفراد العائلة، ولم تنج هي من أكثر المصائر قتامة، فبعد أن كانت الفتاة التي يتمنى كل شاب في تل الورد أن يقترن بها، فقدت عذريتها على يد مجهولين اختطفوها في وضح النهار واغتصبوها، ثم تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة من قبل أطراف متعددة، ولم تجد من يذود عنها. وكانت شاهدة على اعتداء أخيها ربيع على والدتها وإجبارها على توقيع ورقة الاستتابة بعد أن صار متطرفا، ورأى في أمّه مارقة عن الدين، لأن أصولها تعود إلى جبل العلويين، ما نتج عنه صدمة أفقدت الأم عقلها وأسلمتها للنسيان، فلم تعد تذكر أي شيء بعد حادثة الاستتابة وأن لها ابنا اسمه ربيع، وانكفأت لتعيش في وهم عرس ابنها المهاجر عمران، الذي تجهّز له وهي تقبع خلف ماكينة خياطتها القديمة، كما شهدت باهرة اعتقال والدها على يد الجماعات الدينية المتطرفة، ليعاد إليها بعد أيام شبه جثة هامدة ملقاة أمام باب الدار، ولتكتشف بعد أن يتعافى أنه دخل في الصمت الذي لن يخرج منه حتى وفاته.
ومع «فصل الجنون ورحلة العبور إلى أرض الأحلام» نتعرف على الجنون الذي أصاب كل من عمران وكافي بعدما تعثر لم الشمل مع ابنهما، ما جعلهما ينتقلان إلى أسطنبول استعدادا للسفر، لكن الأمد طال إلى سنوات، وتعثر لمّ الشمل. لم تعترض كافي على إرسال وحيدها للموت بعدما تعرضت له من اغتصابات لم يدر عنها أحد ولا حتى زوجها، وجعلتها تذبل وهي منكفئة على آلامها، فصارت ترى في عــــلاقة زوجـــــها بها نوعا من الاغتصاب، ثم بدأت تعذب نفسها، فراحت تمعن في وخــــزه بالإبر ووشمت كل جـــزء فيه، كما أدمنت زيارة الأولياء والصـــــالحين، بينما انخرط عمران في أعمال غير مشروعة من تهـــريب وغيــــرها وصار يدمن الشراب والنساء الرخيصات والأفلام الإباحية، بعد أن استعصت عليه زوجته، فلم يعد بإمكانه أن يقربها.
تنقلنا الكاتبة في فصل «الدكتور» إلى حيان الذي لا يتجاوز عمره عشر سنوات، لتصوره وهو يستعيد حياته الماضية ورحلة الموت إلى أوروبا ويعاني الأهوال إلى أن يصل إلى هولندا ليجد نفسه في معسكر للّاجئين، ولتتلقفه أسرة، فيجد نفسه محاطا بعائلة جديدة غير عائلته، تختلف عنها في كل شيء، ولتبدأ معاناته بعد أن صار فردا في أسرة سيدتها صارمة ومنظّمة، بعد أن كان طفلا مدللا يفعل ما يحلو له، ثم ليندمج فيها بعد أن يتعثر لمّ الشمل مع أهله لسنوات، لكن الطفل الذي صار فتى مراهقا لم يحتمل طريقة التفكير التي صعقته من قبل والديه، فقرر الهرب بعيدا إلى مكان مجهول.
    لم تعترض كافي على إرسال وحيدها للموت بعدما تعرضت له من اغتصابات لم يدر عنها أحد ولا حتى زوجها، وجعلتها تذبل وهي منكفئة على آلامها، فصارت ترى في عــــلاقة زوجـــــها بها نوعا من الاغتصاب.
وفي فصل «جواز سفر إلى الجنة» تظهر شخصية ربيع، فإذا به في أحد المشافي في تركية، يخضع لعمليات جراحية بعد أن أصيب في الحرب، ونقل إلى ذلك المشفى، ونتج عن إصابته عجز كامل فتحول إلى شاب مبتور الساقين، وفاقد لذكورته، يحيا في مأوى للعجزة، ويتذكر حياته الماضية منذ أن كان طفلا وسيما ووديعا يخشى رؤية الدم، مرورا بتطوعه في سلك الشرطة، ومن ثم ذهابه مع الثائرين، وانضمامه إلى مجموعة متطرفة ليصبح بتر الرؤوس متعة لديه معتقدا أنه بذلك يمحق الكفرة، ويتشبع بفكرة الشهادة وأن ما يقوم به هو الجهاد، ثم محاكمة والده بتهمة ملفقة، وإرغام أمه على التبرّوء من طائفتها، وعدم فوزه بالشهادة والجنة، وانتهائه حائرا في المصير الذي آل إليه، فلا هو حي ولا ميت، وإنما لم يبق له من كل ما قام به سوى اللقب الذي خلعوه عليه أبو المثنى، فحتى اسمه الحقيقي ربيع ضاع لأنه في تل الورد هو في عداد الأموات، وفي تركية حي بلا هوية. ويأتي فصل «العودة، خوض عمران وكافي رحلة عودة من هولندا إلى سوريا، وهما محملان باليأس، وخيبة الأمل، وفي طريق العودة تزداد حالة كافي سوءا، وتزداد حالة عمران يأسا وإحباطا وهو يشاهد الدمار الذي طال بلاده، وفي كثير من الأحيان كان يخيل له بأنه سيفقد زوجته على الطريق ولن يصل بها إلى تل الورد حية، لكنها لفظت أنفاسها الأخيرة على مشارف القرية، ودفت في مقبرتها.
ختمت الكاتبة روايتها بفصل «حبطراش» حيث يلتقي فيه عمران بأخته باهرة فلا يتعرف أحدهما على الآخر في البداية بعدما تغيرت أحوالهما، وبدا وكأن واحدهما قد شاخ قبل الأوان، ثم يتعرف على حال أمه الصادم إذا لا تتعرف عليه وتتحدث معه بوصفه غريبا وتبقى ذاكرتها معلقة بابنها عمران ذلك الشاب الوسيم الذي تستعد لعرسه، بينما هو ماثل أمامها، وتعلمه باهرة بمصير والده ووفاته صامتا، ثم تصحبه في طريقها لملء الماء ليكتشف الدمار الذي طال تل الورد كلها فغير معالمها، كل شيء مدمر، ورائحة الموت حلّت مكان رائحة تل الورد التي كان يعرف قريته منها ويميزها عن جميع روائح القرى والبلدان المجاورة، كل شيء تحول إلى ركام، لتنتهي الرواية بهذه النهاية الفاجعة فكل شيء استحال إلى حبطراش.

أضف تعليق