• غزة ..بين الكبرياء و العناد
    2018-07-18

    المتتبع لما يجري من تطورات على جبهة غزة ، خاصة الجدل الداخلي الاسرائيلي حول كيفية التعامل مع الوضع الامني الحالي يدرك ان قرار العدوان قد اتخذ، ولكن بشكل مشروط، وان الثمانية واربعين ساعة المقبلة ستحدد الاتجاه .
    ليس بخاف على احد ان جزء مما ينشر في الإعلام الإسرائيلي هو عبارة عن رسائل علنية للفصائل الفلسطينية في غزة ، بما في ذلك التقارير و الصور عن استدعاء جزئي للاحتياط و نقل للدبابات و انتشار للقبة الحديدية، جميعها رسائل بأن الجيش الإسرائيلي جاهز لخوض المعركة وهو لا يخشاها.
    نتنياهو ووزير جيشه تحت ضغط شديد من قبل بعض وزراء اليمين و الرأي العام بضرورة اعطاء الضوء الاخضر للجيش باستهداف مباشر لمطلقي الطائرات الورقية و البالونات الحارقة حتى لو ادى ذلك الى تصعيد متدحرج ينتهي بمواجهه شاملة.
    في حين موقف الجيش ،حيث مطلوب منه ان يكون جاهزا لكل الخيارات و التي أكثرها تطرفا الاضطرار الى إعادة احتلال غزة اذا لزم الامر له وجهة نظر مختلفة، خاصة رئيس هيئة الأركان الجنرال غادي ايزنقوت الذي لا يندفع باتجاه مواجهه جديدة في نهايتها وفقا لتقديره سيعود الوضع الى ما كان عليه.
    حيث يعتبر الجيش ان القيادة السياسية في إسرائيل خاصة نتنياهو ولاسباب ايديولوجية لا يريد ان تكون هناك اي استراتيجية للتعامل مع غزة ، ويحرص على ابقاء الوضع كما هو عليه، وبالتالي مهمة الجيش هي إطفاء الحرائق هنا وهناك وإيجاد حلول ميدانية. تماما كما استطاع ان يعالج مشكلة الصواريخ بالقبة الحديدية وان كان بشكل جزئي وكذلك مشكلة الانفاق ، مطلوب منه ايضا ايجاد حل لمشكلة البالونات والأطباق الورقية الحارقة.
    لكن ، وعلى الرغم من ذلك ، الكرة الآن في الملعب الفلسطيني، او بكلمات اكثر دقة، الكرة الان في ملعب قيادة حماس صاحبة الثقل والامكانيات وبالتالي صاحبة القرار النهائي في المواجهة او تجنبها.
    نعم، حماس هي التي ستقرر خلال الايام القليلة القادمة ما اذا سيكون هناك مواجهة او حرب رابعة ام يتم تجنب ذلك او ربما تأجيلها الي اجل غير مسمى.
    ليس هناك من شك ان الفصائل الفلسطينية في غزة مع كل ما يملكون من ارادة واصرار و كبرياء ، ويقف خلفهم شعب مبدع في اساليب المقاومة لا يخشون المواجهة و لا يخشون الحرب و لا يخشون الشهادة .
    واشهد ان السنوار لا يأخذ بعين الاعتبار حياته الشخصية و مستقبله او مستقبل اسرته و من قبله محمد الضيف الذي تعرض الى اكثر من عشرة محاولات اغتيال و كذلك الكثير ممن ستلاحقهم الطائرات و الصواريخ خلال المواجهة.
    لكن السؤال ، هل من الحكمة الدخول في حرب مفتوحة من اجل استمرار اطلاق الطائرات الورقية الحارقة . هذا السلاح المبدع الذي اخترعته غزة في مقارعة الاحتلال رغم انه لم يتسبب في موت أي اسرائيلي ولكن استمراره سيتسبب في استشهاد مئات او قد يكون آلاف الفلسطينيين.
    قد يقول قائل وهل غزة ستنتهي مشكلتها و ينتهي الحصار و تنتهي الاعتداءات الاسرائيلية اذا ما توقف الفلسطينيون عن اطلاق الطائرات الورقية؟ الاجابة بالطبع لا، ولكن هل يتوقف النضال الفلسطيني من اجل الحرية و كسر الحصار على استمرار او عدم استمرار اطلاق الطائرات الورقية؟ الاجابة ايضا بالطبع لا، لان معركتنا من اجل الحرية و التحرير و الاستقلال عمرها عشرات السنين ،لم تبدأ بالطائرات الورقية و لم تنتهي اذا ما توقفنا حتى لو مؤقتا عن استخدامها.
    لو كنت مكان قيادة حماس التي بلا شك تستمع الى نصائح الاصدقاء و الحلفاء والشركاء ، وخاصة الاخوة المصريين الذين يبذلون قصاري جهدهم من اجل تفادي غزة مزيدا من الدمار و الخراب ومنع وقوع عدوان رابع اهل غزة غير قادرين على تبعاته. كنت سأحاول الاجابة على الاسئلة التالية:
    • هل حقا اسرائيل جدية في عدوان على غزة في الايام المقبلة اذا ما استمر اطلاق الطائرات الورقية الحارقة؟
    • اذا كان الامر كذلك، اذن استمرارها يعني اننا نسير نحو الحرب.
    هل حقا نحن معنيين بجر اسرائيل الى عدوان ، هل لنا مصلحة في ذلك، هل هذا يخدمنا و يخدم قضيتنا و يساهم في العودة و فك الحصار و تحسين احوال الناس؟
    • اذا كان هذا الحال يجب ان نستمر في اطلاق الطائرات الورقية ، بل يجب مضاعفة العدد لتصبح اكثر فعالية .
    • و السؤال الاخر هل لرأي الشعب الذي سيتحمل الجزء الاكبر من العبء له اهمية في اتخاذ القرار؟ اذا كان الامر كذلك، هل اهل غزة لو تم سؤالهم بشكل مباشر مع استمرار اطلاق الطائرات الورقية حتى و ان ادى ذلك الى عدوان رابع؟ ام ان سؤالهم و موقفهم غير مهم؟
    نعم الشعب الفلسطيني مبدع و قادر على التحمل اذا لزم الامر و اذا كان لا مفر و لا خيار سوى الحرب.
    لكني اعتقد جازما ان الغالبية العظمى من اهل غزة لا تريد حروب و لا تريد مواجهة يمكن تفاديها ، واذا كات المعادلة اما استمرار الطائرات الورقية و اما الحرب ، الاجابة بدون تردد هي لا احد يريد حرب.
    القرار ليس سهلا، ولكن التراجع في بعض الاحيان خطوة او خطوتين الى الوراء افضل بكثير من الاندفاع نحو مواجهة طاحنه قد تستمر اسبوع او شهر او اشهر و في النهاية سنعود الى هدنه في احسن الاحوال مشابهة لهدنة ٢٠١٤.
    التجربة الفلسطينية مريرة جدا للاسف الشديد. كثيرا من القرارات المصيرية اتخذت، كان بالامكان ان تكون بشكل مختلف و تجنب شعبنا خسائر لا داعي لها.

     


    http://www.alhourriah.ps/article/51346