• أبعدوا غزة عن المغامرات السياسية
    2018-03-29

    ■ لم تنجح كل المحاولات المخلصة، لعدد من القوى الوطنية، لتطويق ذيول وتداعيات حادثة محاولة اغتيال رئيس الوزراء رامي الحمد لله، وماجد فرج، مدير المخابرات العامة، في زيارتهما الأخيرة إلى قطاع غزة.
    فمن اللحظة الأولى، بدأت الاتهامات تنطلق في الهواء جزافاً، دون أدنى استدراك لخطورة ما حدث، وخطورة تداعياته، وخطورة الهدف المراد منه، وبالتالي، التحول لعدم الإنجرار إلى ما كان قد رسمه المرتكبون للجريمة، من تداعيات مرتقبة تخدم رغباتهم وخططهم، والتي من أجل تحقيقها، زرعوا العبوة في طريق موكب رئيس الحكومة ومعاونيه.
    لو أن النوايا الحسنة هي التي حكمت عقلية معالجة القضية لأمكن التوافق على تشكيل لجان تحقيق مشتركة من الجانبين، السلطة وحماس، وبمشاركة وطنية من الفصائل، بحيث يتم الوصول إلى الحقيقة – أياً كانت هذه الحقيقة – وإماطة اللثام ورفع الغطاء عمن يقف خلف الجريمة، وإحالته إلى القضاء، لينال عقابه العادل.
     إذ أنه صحيح أن المقصود مباشرة بالجريمة هو موكب رئيس الوزراء، لكن المقصود من خلف هذا الموكب، هو تفاهمات المصالحة، وما تحقق منها،  منذ أن أبرمت بين الطرفين فتح وحماس في 12/10/2017، والمقصود أيضاً، وهذا هو الأخطر، مصير قطاع غزة، الذي ترسم له سيناريوهات مختلفة كلها تهدف إلى إخراجه من المعادلة السياسية الفلسطينية لصالح المعادلات الاقليمية والإسرائيلية.
    لذلك كان من الصحة بمكان أن يقال أن حماس هي المسؤولة عن وقوع الحادث، لأنها هي التي مازالت تتولى الإدارة الأمنية لقطاع غزة، لكنه كان من الخطأ الجسيم، الذهاب فوراً، ودون أي استدراك، لاتهام حماس مباشرة، بأنها هي التي تقف خلف الجريمة، وأنها هي التي تعمل على تدمير اتفاق المصالحة.
    كذلك كان من الخطأ الجسيم أن يترك رئيس السلطة لأعصابه أن تنفلت بلا حدود، في خطابه أمام ممثلي القوى والمؤسسات في رام الله(19/3/2018).
    وأن يهدد بمعاقبة حماس، وأن يعلن، باعتباره رئيساً للشعب الفلسطيني، كما قال، مهدداً باتخاذ اجراءات عقابية إضافية بحق حماس، وهو يدرك قبل سواه أن تداعيات هذه الاجراءات سوف تتساقط على رؤوس أبناء القطاع كوارث اجتماعية، تضاف إلى الكوارث التي حولت حياتهم إلى جحيم في ظل أكثر من عشر سنوات من الحصار. وكما كان منتظراً، فقد شكلت كلمات الرئيس عباس ضوءاً أخضر للعديد من أصحاب الأقلام، ليدقوا هم أيضاً طبول الحرب، إما تقرباً من الرئاسة أو نكاية بحماس، متجاهلين الدور الواجب أن تقوم به الأقلام المسؤولة في إطفاء نيران الإحتراب الإعلامي. [وإن كان بعض أعضاء اللجنة التنفيذية للأسف، هاجموا الذين لعبوا دور الإطفائي في حرب حماس – فتح، في دعوة مستنكرة لتعميق حالة الإحتراب والذهاب بالحالة الفلسطينية إلى المزيد من الإنقسام، لا شيء سوى لظنه أنه بذلك يتزلف إلى رئيس اللجنة التنفيذية ].
    *       *       *
    بتقديرنا، كان على حماس أن تقوم بسلسلة من الخطوات أهمها أن لا تنفرد بالتحقيق، لإدراكنا أن العديد من المتضررين من المصالحة سوف يطعنون بنتائج التحقيق فكثيرون كانوا يتمنون أن يكون الجناة من حماس، وليس من أي طرف آخر. وبالتالي كان على حماس أن تشكل مع السلطة لجان تحقيق مشتركة. وفي حال رفض السلطة، إشراك فعاليات مجتمعية من القطاع ذات مصداقية.
    كذلك أخطأت حماس حين لم تنشر (حتى الآن) النتائج الكاملة للتحقيق، ليعرف الرأي العام من يقف خلف هذه الجريمة التي أرادت تحقيق سلسلة أهداف دفعة واحدة، تصب كلها في إلحاق الأذى بالقضية الوطنية. ونعتقد في السياق أنه كان من الخطأ تسريب بعض المعلومات، وإخفاء بعضها الآخر، كالإعلان مثلاً عن أن بعض الجناة يتبعون لجهاز الاستخبارات الفلسطيني في رام الله، أو إطلاق الوعود بالكشف عن «الحقائق المذهلة»، ثم بعد ذلك صمت. أو القول إن الجناة يتبعون لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) دون أي توضيح فيما إذا كان لداعش وجود في القطاع، ومن هم عناصر هذا التنظيم، ومن هي قيادته، ولماذا الصمت عن وجود التنظيم، ومن هي قيادته، ولماذا الصمت عن وجود هذا التنظيم حتى الآن.
    وفي حال صدقت معلومات حماس أن لتنظيم الدولة الإسلامية( داعش) وجوداً في القطاع، بات عليها أن تشرح للرأي العام كيف استطاع هذا التنظيم التسلل إلى قطاع غزة، ومن أين حصل على أسلحته، ولماذا لم تعالج أوضاعه حتى الآن، خاصة في ظل الحساسية الكبرى لأوضاع القطاع، في ظل الحصار، والتهديد الإسرائيلي. إذ أن وجود تشكيل مسلح، خارج إطار السقف الوطني وخارج إطار السيطرة، معناه ثغرة أمنية استراتيجية، يمكن النفاذ منها لجر القطاع إلى حرب مع إسرائيل، لا يريدها الشعب ولا تريدها فصائل المقاومة  في اللحظة الراهنة.
    كذلك نعتقد أنه كان من الخطأ أن تنجر حماس لردود فعل من شأنها أن تصب الزيت على النار، وأن تراعي أوضاع غزة، وأن تجعل من القضية أمراً وطنياً، تضعها بين أيدي القوى السياسية في القطاع، لا أن تستفرد بها سياسياً، وأن تصل مع الجانب الآخر إلى أبعد نقطة في الصدام والإحتراب، وصولاً إلى القول أن خطاب عباس أطلق رصاصة الرحمة على اتفاق المصالحة.
    *     *      *
    على الجانب الآخر، إلى جانب، ما أوردناه حول خطاب الرئيس عباس في 19/3/2018 نسجل الملاحظات التالية:
    • كان واضحاً رد الفعل والعصبية في بيانات حكومة السلطة حين دعت حماس إلى «تسليم القطاع فوراً دفعة واحدة». في وقت يدرك فيه الجميع أن تسلم القطاع، بعد أكثر من عشر سنوات من الانقسام، دفعة واحدة أمر غير ممكن.
    كان يفترض أن تضع الحكومة خطة تسلم بأجندة زمنية محددة وأن تدعو حماس، وبالتعاون مع القوى الوطنية الأخرى، للعمل على تطبيقها. دون أن ننسى ما جاء على لسان بعض المراجع الوزارية من أن تسلم السلطة لأوضاع حماس يتطلب زمناً غير قصير، والبعض تحدث عن أشهر، والبعض تحدث عن سنة وآخرون عن خمس سنوات(!). لذلك فهم بيان الحكومة أنه تبرير لقرار القيادة الرسمية الفلسطينية التي رفضت دعوة حماس إلى حضور دورة المجلس الوطني بذريعة عدم تسلم السلطة للقطاع، في ظل شعارات معروفة «لا مكان لحماس في م.ت.ف إلا بعد تمكين الحكومة».
    • لم يكن مفيداً، لا للمقاومة، ولا للمصلحة الوطنية الفلسطينية أن تغمز حكومة السلطة من قناة «بندقية المقاومة»، لكي تقول إن ما حدث يؤكد صحة موقفها الداعي إلى سلطة واحدة، وقانون واحد، وبندقية واحدة. فالربط بين الحادث، وبين وجود المقاومة في القطاع، موقف خطير، يوحي وكأن المقاومة هي مصدر الخطر على أمن القطاع وأمن السلطة الفلسطينية، وأنه لا مجال لضبط الأمن إلا بتفكيك المقاومة. تتجاهل حكومة السلطة تماماً تباين الظروف بين قطاع غزة، وبين الضفة الفلسطينية، وتتجاهل السلطة في الوقت نفسه أنها مقيدة بإتفاق أوسلو بالتعاون الأمني مع الإحتلال في الضفة الفلسطينية، وأنه من المستحيل، أن تنقل تجربة التعاون هذه، إلى القطاع ففي القطاع مقاومة مسلحة لها هياكلها وبنيتها التحتية، وهي ذخيرة الشعب الفلسطيني للدفاع عن نفسه، وهي ذخيرة القضية الوطنية الفلسطينية في كل مكان، وهي ورقة قوة بيد الحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الجماهيرية الفلسطينية. ولا مجال على الإطلاق لوضع هذه القضية على طاولة البحث والمساومة، إلا في سياق البحث عن آليات الفصل بين بندقية الأمن الداخلي، وبندقية المقاومة، والفصل بين غرفة عمليات الأمن الداخلي، وغرفة عمليات المقاومة في القطاع.
    • على القيادة الرسمية الفلسطينية أن تتنبه لما جرى وما يجري فليس مقبولاً على الإطلاق أن تكون بعض الأطراف العربية والإسرائيلية والغربية أكثر «حناناً» على قطاع غزة من القيادة الرسمية فتطلب إليها عدم اللجوء إلى أية إجراءات من شأنها أن تزيد الأوضاع تعقيداً في القطاع. وليس مقبولاً أن يقال أن القيادة الرسمية تراجعت عن قراراتها التصعيدية بناء على مجمل هذه التمنيات، وأن تتجاهل، بالمقابل، نداءات القوى الوطنية الفلسطينية، ما يؤكد أن إدارة الشأن العام إنما تتم بنزعة إرتجالية، تقوم على رد الفعل، وهذا خطير، وأن إدارة الشأن العام تخضع للنزعات والنزوات الفردية، وهذا أكثر خطورة.
    في هذا السياق لا بد من التنبه لما يتم التخطيط له في الدوائر الأميركية والإسرائيلية وغيرها لقطاع غزة، ولا بد من وقفة مسؤولية أمام هذا الإهتمام المتزايد من الغرب عموماً وإسرائيل بقطاع غزة. لا يفيد القول هنا، أن هذا يتم بالتواطؤ مع حركة حماس، وأن حماس تخطط لفصل القطاع عن الحالة الوطنية الفلسطينية. نعتقد أن هذا القول فيه هروب وتهرب عن المسؤولية، ومن مواجهة الواقع السياسي الذي يقول أن «صفقة القرن» لم يتوقف تطبيقها على الأرض، وأن ما يخطط له يندرج في إطار «صفقة القرن». وبالتالي فإن كل هذا الضجيج الإعلامي ضد «صفقة القرن» دون خطوة واحدة عملية تعيد تجميع الحالة الفلسطينية لا يجدي أي نفع. والعودة إلى إتفاق أوسلو في «رؤية» القيادة الرسمية كما وردت في خطاب مجلس الأمن في 20/2/2018، لا تجدي نفعاً. والعودة إلى نقطة الصفر في إتفاق المصالحة هي أفضل وصفة لإلحاق أزمة جديدة بالشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.■


    http://www.alhourriah.ps/article/49666