27 كانون الثاني 2023 الساعة 14:15

لا نحتاج برامج سياسية جديدة، بل إرادة على المواجهة

2023-01-18 عدد القراءات : 58
منذ إقرار البرنامج الوطني المرحلي عام 1974 وما تلاه من انجازات سياسية ووطنية ظلت حاضرة لأكثر من سبعة أعوام، لم يشهد الوضع الداخلي الفلسطيني اجماعًا او توافقًا جديًا على قضية ما، رغم عديد التحديات التي مرت بها القضية الفلسطينية، وفي كل مفصل او تطور ما يعود البعض سنوات الى الخلف ليناقش في البرنامج السياسي والمرجعية الجديدة. ويمكن لأي مراقب الملاحظة أن كثيرًا من العناوين التي كانت تعتبر ثوابت وبديهيات وطنية وخطوط حمراء لا يجوز العبث بها، لم تعد كذلك في نظر البعض، الذي بات يميل في تعاطيه مع المشاريع والبرامج السياسية كما تميل الاشجار أمام العواصف العاتية، وليعود بعد كل هذه التضحيات العظيمة التي قدمها الشعب الفلسطيني والانجازات الكبرى التي حققها ليطرح اي برنامج سياسي نريد..؟ وكأن الخيارات الوطنية تتحدد بالنكايات وبقرارات ارتجالية، لا وفقًا لموازين قوى متعددة يجب النضال من أجل تغييرها..
إن المشروع الوطني الفلسطيني، بما هو مشروع الدولة الوطنية المستقلة، السيدة الحرة، والعودة وتقرير المصير، وبما هو تعبير عن مشروع يصارع المشروع الصهيوني الذي ظل وحده حاضرًا في ميدان السياستين الاقليمية والدولية حتى منتصف السبعينات.. ما زال يعبر عن مصالح وتطلعات الشعب الفلسطيني بجميع تياراته وفئاته أصدق تعبير، وبإمكاننا الجزم أن ليس هناك من مشروع او برنامج سياسي آخر في الساحة الفلسطينية تقدم، حتى الآن، في نسبة التأييد له على البرنامج المرحلي الذي ما زال يحظى بثقة وقبول الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، وهذا ينم عن إدراك عميق لدى هذا الشعب ووعي متقدم في صياغة خياراته الوطنية.. وكل ما يطرح من مشاريع ومواقف ليست سوى مزايدات داخلية ورسائل لهذا الطرف الاقليمي أو ذاك.. وبالتالي فكل من ارتد عن المشروع الوطني، تنازلاً واقعيًا أو تطرفًا لفظيًا، فهو من يتحمل مسؤولية سياساته، وليس البرنامج المرحلي الذي ما زال يؤكد راهنيته وواقعيته في كل تفصيل من تفاصيل صراعنا مع المشروع الصهيوني.
إن بعض التيارات السياسية الفلسطينية لا تطرح مواقفها ومشاريعها كبدائل تصارع المشروع الصهيوني بقدر ما تطرحه في مواجهة المشروع الوطني الفلسطيني. ورغم أن تعدد المشاريع السياسية دليل عافية في البلدان والانظمة المستقرة، إلا أنها في حالتنا الفلسطينية دليل على العجز الذي وصلته الحركة الوطنية الفلسطينية في اجتراح حلول ثورية تخرج الحالة الفلسطينية من أزمتها، وتأكيد أيضًا على حالة التفكك والشرذمة والانقسام الذي باتت تغذيه مصالح فئوية فصائلية هنا وهناك وتعمل على إدامته تحقيقًا لبقاء امتيازاتها.. وإذا كان من حق كل فصيل أو فرد أن ينحاز إلى أي برنامج سياسي يعتقد انه يلبي طموحاته الوطنية، فليس من حق من وافق وصوت واستفاد دهرًا من البرنامج المرحلي أن يخرج عليه بسياسات يفهم الجميع دوافعها والاطار الذي تتحرك داخله..
اليوم ومع اشتداد الصراع الدولي والاقليمي وتعمق التدخلات الخارجية في الشأن الفلسطيني، يمكن لأي مراقب أن يلاحظ مسألة نادرة الحدوث وهي أن يجمع الشعب الفلسطيني على قضية، كما اجتمع على تحديد مخاطر الحكومة الاسرائيلية الحالية بقيادة الثلاثي: نتنياهو، بن غفير وسموترتش الذين توافقوا فيما بينهم على الفلسفة العامة لسياستهم التي ستقود حكومتهم منذ الآن وإلى حين.. وهي فلسفة أقل ما يقال فيها إنها إعلان حرب على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية.. لكن لا يكفي أن نجمع  كفلسطينيين بأن الحكومة الاسرائيلية الحالية هي اسوأ حكومة في تاريخ الكيان، بل الأهم هو أن نكون بقدر التحدي الذي تشكله هذه الحكومة والتي تراهن على انقسام فلسطيني يحقق لاسرائيل ما عجزت عن تحقيقه بجبروت وغطرسة القوة.
وبعيداً عن المخاطر التي تطرحها الأوضاع داخل اسرائيل، سواء تعلق الأمر بسلسلة القوانين العنصرية التي اتخذها الكنيست، أو قوانين إعدام الأسرى واسقاط الجنسية ورفع العلم أو تلك التي يعتزم اتخاذها كمشروع قانون يجري تداوله بشأن استعادة ما يسمى «أموال اليهود في الضفة الغربية»، أو لجهة تطبيقات ميدانية للمشروع الصهيوني كالضغط الاقتصادي وضم اجزاء من الضفة وتغيير نمط التعاطي مع مناطق «ج». كل هذه التحديات تطرح مجموعة من الاسئلة يقع في مقدمتها:
- لماذا يميل المجتمع الصهيوني في إسرائيل نحو المزيد من التطرف؟ وهل أعددنا العدة الداخلية لمواجهة ما تطرحه التطورات داخل إسرائيل من تحديات، خاصة أن الجميع يتحدث عن مرحلة صعبة في التعاطي مع الحكومة الاسرائيلية بتلاوينها العنصرية، الدينية والفاشية المتطرفة، لكن لا أحد يتحدث كيف سنواجه هذه الحكومة وبأية أدوات؟
- أليس معيبًا على الحركة الوطنية الفلسطينية التي زاد عمرها عن القرن وتصارع المشروع الصهيوني منذ تلك الفترة، بينما بعض مكوناتها ما زال في طور البحث عن أي برنامج سياسي ونضالي نريد؟
- رغم أن إسرائيل، ومن معها، يراهنون على أن استمرار حالة التشرذم الفلسطينية من شأنها أن تساعد في تحقيق ما تطمح إليه اسرائيل، إلا أن بعض القوى الفلسطينية تسعد وتعمل يوميًا على استمرار وإدامة عمر الإنقسام، وكأن أوضاعنا لا تستحق عناء التضحية من أجل وضعها في الاطار الوطني السليم..
- لا يستقيم الوضع بين مواجهة ما ينتظرنا من مخاطر وبين استمرار التنسيق الامني، ولا يستقيم الوضع بين دعوات للمواجهة واستمرار حالة الكراهية والحقد على المستوى الداخلي الفلسطيني بل واحيانًا في الاطار الواحد...
يسلم الجميع بأن من شروط انتصارنا، أو أقله افشال بعض تطبيقات المشروع الصهيوني، هو وحدتنا، وهذه بديهية لا يختلف عليها اثنان. لكن رغم ذلك، يبدو ان الرهان على حرب عالمية ثالثة أو على تغيير اقليمي كبير أو ربما على انقلاب عسكري يحدث في إسرائيل بات أسهل من الرهان على إنهاء الانقسام.. وما يأسف له أي وطني شريف أن بعضهم بات يتحدث عن فضائل الانقسام، ويعتبر أن الشعب الفلسطيني ومقاومته انتصروا في أكثر من مناسبة في ظل هذا الانقسام.. بينما الواقع على الارض وفي الميدان يقول إن كافة الانتصارات التي تحققت سواء في قطاع غزة أو خلال معركة القدس، وبسبب تلك العقليات العفنة، لم نتمكن، وبقرار مقصودٍ وواعٍ، من استثمارها سياسة وطنية لصالح لكل الفلسطيني.
تحتاج الحالة الفلسطينية إلى قليل من مراجعة تاريخنا الوطني القريب، لنستفيد من تجاربنا قبل تجارب غيرنا. فمهما حاول البعض أن يقدم نفسه بنسخة جديدة قد ترضي الواقع وبعض اصحابه، فإن العودة إلى التاريخ تؤكد أن البرنامج الوطني المرحلي كان أهم إنجاز قدمته الحركة الوطنية الفلسطينية منذ نشأتها. فهو الذي وفر الغطاء السياسي للمقاومة المسلحة التي أصبحت مسيجة ببرنامج سياسي توحد حوله الشعب الفلسطيني في كافة تجمعاته، التي كانت تئن تحت وطأة مشاكل وهموم وضغوط متعددة، وهو الذي هيأ الأوضاع الداخلية لحرب تحرير شعبية (الانتفاضة الشاملة)، وخاطب العالم بلغة الحق الفلسطيني والعدالة والانسانية، ولهذه الأسباب ربما، وغيرها كان الاجتياح الاسرائيلي للبنان الذي فتح صفحة جديدة قادت لاحقًا إلى الانقلاب على كل ما تحقق من انجازات سياسية كبرى، ولندخل بعد ذلك في دهاليز المساومات التي قادت تدريجياً إلى مربع الانهيار السياسي على مستوى التفريط بكافة عناصر القوة الفلسطينية..
إن ما يحدث في إسرائيل من ميل جارف نحو الفاشية لا يمكن اعتباره ظاهرة عابرة، كما يعتقد بعضهم، بل أن التدقيق في النتائج الحالية، والسابقة، للانتخابات الاسرائيلية يشير إلى أن صعود الفاشية في إسرائيل اخذت تتزايد بالتزامن مع استمرار العملية السياسية التي كانت تسير في ظل اجراءات ميدانية اسرائيلية على الارض. وكان واضحاً أن أحزاب اليمين المتطرف وأحزاب الصهيونية الدينية كانت تستهدف فئتين، هما فئة الشباب وفئة الجنود على حساب ما يسمى «أحزاب اليسار» التي باتت بحكم المنتهية الصلاحية او معدومة التأثير..
كثيرة هي الاسباب التي قادت إلى مثل هذا التطور، إلا أن الحالة الفلسطينية السياسية والفصائلية تتحمل جزءًا من المسؤولية، سواء بالانشغال الداخلي بالانقسام وتركيز كل طرف أولوياته على المكاسب والمصالح، أو في شكل التعاطي مع تطورات القضية الفلسطينية واعتبار ان الشعب الفلسطيني في حالة دفاعية، قد تتطور بشكل بطيء جدًا إلى ما هو أرقى، في ظل المراهنة على تغيير اقليمي ودولي لم ولن يأتي. وبالتالي تكرس شعور لدى المجتمع الصهيوني بأن ميله نحو التطرف لن يرتب عليه أية تداعيات أو أثمان سياسية ومادية، والتي عادة تترجم بعبارة «رفع تكلفة الاحتلال» وجعله احتلالاً ذات كلفًة باهظة، كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يعاني من تداعيات السياسات الاسرائيلية، سواء ما تعلق منها بسرقة الارض ونهبها لأغراض الاستيطان وغيره، أو عمليات الاعتقال والقتل اليومي أو الأوضاع الاقتصادية والأمنية التي تزداد تأزمًا...
تجربة العقود الماضية، منذ التوقيع على اتفاق أوسلو وما تلاها من اتفاقات، أكدت بأن التغيير لن يتأتى إلا من خلال إرادة سياسية وشعبية صادقة واتخاذ سياسات تصادمية مع السياسات والممارسات الاسرائيلية، وأن الخيارات السياسية لا يجب ان تحددها أهواء ومصالح هذا الفصيل أو هذه الجماعة، بل أن تجارب حركات التحرر العالمية تقول إن العملية الثورية هي حصيلة تضافر مجموعة عوامل داخلية واقليمية ودولية، وحين تختل الموازين القائمة، تصبح مهمة الحركات الثورية اجتراح المعالجات لتعديل هذه الموازين في إطار المشروع السياسي المتوافق عليه وطنيًا، وليس التخلي عن الثوابت والمبادئ العامة، وهذا ما يحتاج إلى أن تبقى قنوات الحوار والنقاش مفتوحة بشكل دائم..
كما أن الرهان على ضمير عالمي أو على منظمات دولية أو ضغوط هنا وهناك ثبت بالملموس أنها رهانات فاشلة ما لم تترافق مع فعل فلسطيني أولاً وعلى قاعدة أن المواقف العربية والدولية وحتى الإسرائيلية تتأسس على قوة وصلابة الموقف الفلسطيني. لذلك ليس غريبًا أن تتقدم القوى الدينية والفاشية لتحتل صدارة المشهد في إسرائيل في ظل تغطية كاملة من قبل الإدارة الأميركية التي باتت تقترب من الشراكة الكاملة في كل ما تفعله اسرائيل كـ «دولة وأحزاب ومجتمع ديني ويميني متطرف».■

أضف تعليق