06 كانون الأول 2021 الساعة 08:07

فليقرأ العرب كتاب إنديك عن كيسنجر

2021-11-06 عدد القراءات : 92
قبل أن يتاح للجمهور قبل أيام، وصلتني نسخة من كتاب مارتن إنديك الجديد عن هنري كيسنجر ودوره في المفاوضات التي أعقبت حرب أكتوبر 1973. ومن بين مئات الكتب التي تناولت دور وإرث وسجل كيسنجر، ينفرد هذا الكتاب بالتركيز على تفاصيل مهمة كيسنجر عقب الحرب والتي أفضت إلى بناء آلية لعملية سلام الشرق الأوسط استمرت لعدة عقود.
ويعد كيسنجر من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية في النصف الثاني من القرن الـ20، والتي كان لها تأثير واسع على الشأن المصري والعربي والعالمي.
تناول أنديك في كتابه «سيد اللعبة.. كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»، تفاصيل هامة أتاحتها له القدرة على الاطلاع على آلاف الوثائق التي رُفعت عنها السرية من الأرشيف الأميركي والإسرائيلي، ومقابلات واسعة ومتكررة مع كيسنجر نفسه، فضلاً عن لقاءات جمعت الكاتب بكبار مسؤولي ملفات عملية السلام في الدول المعنية.
جدير بالذكر أن إنديك شغل سابقاً منصب سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مرتين، ومساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى والمبعوث الأميركي الخاص للمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية.
•••
يعيد إنديك القارئ إلى السبعينيات، حين أجرى كيسنجر مفاوضاته مع الرئيس أنور السادات، ورئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير، ورئيس سورية حافظ الأسد، والملك الأردني حسين بن طلال، والملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز، ليسرد بالتفصيل الطريقة التي تمكن بها من المناورة مع قادة الشرق الأوسط نحو السلام.
ويرى إنديك أن كيسنجر نجح في التوصل إلى 3 اتفاقيات ــ اثنتان بين مصر وإسرائيل، وواحدة بين إسرائيل وسورية عقب حرب أكتوبر ــ وإنهاء حرب أكتوبر.  ويرى كيسنجر أن الاتفاق بين إسرائيل وسورية حافظ على السلام في مرتفعات الجولان لمدة 40 عاماً، ومهد اتفاقاً ضد الاشتباك لإخراج مصر من الصراع مع إسرائيل، وأرسى الأسس لمعاهدة سلام بين البلدين.
ولعب كيسنجر عقب حرب أكتوبر دوراً رئيساً ممهداً لعملية سلام الشرق الأوسط، وسيطرة واشنطن على مساراتها وطبيعتها ونتائجها.
وينقل الكتاب عن كيسنجر قوله إن «السلام في الشرق الأوسط كان مشكلة وليس حلاً، والرغبة في السلام تحتاج إلى إيجاد نظام مستقر في هذا الجزء الشديد التقلب من العالم».
•••
وفي الوقت الذي عانت فيه الولايات المتحدة من تبعات تدخلها المكلف في فيتنام من ناحية، ومن ناحية أخرى تدهور مكانة الرئيس ريتشارد نيكسون وتركيزه بسبب فضيحة ووترجيت، استخدم كيسنجر دبلوماسيته الماهرة لتهميش الاتحاد السوفيتي في خضم الحرب الباردة وبناء نظام شرق أوسطي بقيادة الولايات المتحدة.
وبدلاً من محاولة حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بضربة واحدة، كما كان يأمل الرئيسان جيمي كارتر وبيل كلينتون لاحقاً، كتب إنديك أن وساطة كيسنجر لوقف إطلاق النار والوصول إلى اتفاقيات محدودة مؤقتة كانت أسلوباً حكيماً، لأنها حافظت على استقرار هش من دون أن تهدف إلى الكثير.
يؤكد إنديك أن «الواقعية الكيسنجرية» هي الحل لمعضلة السياسة الخارجية الليبرالية الطموحة، ويقول إن «التدرج الواقعي لكيسنجر وفر طريقاً وسطاً بين الطموح في السلام الشامل من جانب، واليأس والجمود وبقاء الأوضاع كما هي عليه. وآمن كيسنجر بأن الطريق نحو السلام لا بد أن يبقى تدريجياً وبطيئاً، وقد يكون غير متكافئ في كثير من الحالات». ويوضح الكتاب أن كيسنجر آمن بأن السلام سيتحقق عندما يستنفد العالم العربي كل البدائل، ويعتاد مع مرور الوقت وجود إسرائيل. ومن خلال اختيار عملية تدريجية، بدلاً من الاندفاع السريع نحو تسوية شاملة، قدمت دبلوماسية كيسنجر اعتماداً على طريق طويل نحو السلام. وفي غضون ذلك، كان الهدف هو الاستقرار، وتجنب أي شيء يمكن أن يعكر صفو عملية السلام مع تعليم الطرفين الصبر وبناء بعض الثقة المتبادلة.
•••
يُفصل الكتاب ما عده كيسنجر مناورة ومبادرة جادة قام بها الرئيس المصري أنور السادات، ولم تلتفت إليها واشنطن إلا متأخراً، فقد أرسل مستشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل إلى واشنطن في شباط 1973 حاملاً مبادرة للسلام.
قابل كيسنجر إسماعيل واستمع إليه، وأجل الرد من دون جدية ومن دون استعجال على الرغم من تأكيد إسماعيل على ذلك.
عرض كيسنجر الفكرة على نيكسون، ثم ناقش الأمر مع السفير الإسرائيلي لدى واشنطن الذي قلل من أهميتها ورفضها، كما فعلت جولدا مائير التي قضت على المبادرة، وقالت «انسوها».
وتعهد كيسنجر بالعودة للمبادرة بعد إجراء الانتخابات الإسرائيلية التي كانت مقررة في كانون الأول، لكن السادات ذهب إلى الحرب في تشرين الأول من العام نفسه.
وقبل ذلك، فاجأ الرئيس المصري العالم بقرار طرد 20 ألفاً من الخبراء السوفييت من مصر يوم 18 تموز 1972، وكان رد الفعل الأميركي دليلاً كافياً للتعرف على أهمية هذه الخطوة وخطورتها، فقد قال كيسنجر «لو اتصل الرئيس السادات تليفونياً بواشنطن وطلب أي شيء قبل طرد الخبراء من مصر، لكان حصل على ما أراد، إلا أنه قدم هذا العمل الجليل لنا مجاناً».
ولكن الكتاب يشير إلى أن السادات اعتمد على حسابات مختلفة، ورأى أن التخلص من الخبراء كفيل بتحريره من عبء موافقة الاتحاد السوفيتي على أي عمل عسكري في المستقبل.
ويقول إنديك متحدثاً عن كيسنجر «تصورنا أن السادات غبي، ولا يمكن له القيام بشيء ذي قيمة، ولم يكن الأمر كذلك».
•••
ويوضح إنديك أن تجربة كيسنجر المبكرة أثناء فراره من ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية جعلته يشعر بخيبة الأمل إزاء «المثالية الويلسونية التي سعت إلى السلام لإنهاء جميع الحروب»، وهذا ما دفعه إلى التعامل مع ملف عملية السلام بحذر وتشكك كبير.
في الوقت ذاته، كان من المعروف عن الرئيس ريتشارد نيكسون ميوله المعادية للسامية، وحساسيته من يهودية كيسنجر، ولم يعهد إليه بملف العلاقات العربية الإسرائيلية إلا في السنوات الأخيرة من حكمه، ولم يشرف كيسنجر على ملف الشرق الأوسط إلا قبل اندلاع حرب أكتوبر 1973.
وحاول كيسنجر تاريخياً، وخلال المفاوضات، حفظ سلامة إسرائيل وأمنها في وقت عد فيه القادة الإسرائيليون وجوده في دائرة صنع القرار الأميركي كفيلاً بحماية مصالحهم لأنه يهودي، أما القادة العرب فاعتقدوا أن يهودية كيسنجر كفيلة بنيله ثقة إسرائيل، وهو ما سيدفعها إلى قبول تنازلات كبيرة.
وبين هذا وذاك، استغل كيسنجر رؤية الأطراف له لتحقيق ما رآه مصلحة أميركية، والتي أراها تتطابق مع مصالح إسرائيل في هذا الصراع الطويل.

أضف تعليق