06 كانون الأول 2021 الساعة 06:46

متلازمة الأنثى الشريرة

2021-10-17 عدد القراءات : 136
تتجذر الأفكار التي تقف خلف السلوكيات المختلفة عميقاً في اللاوعي، وتتداخل جملة من العوامل الايديلوجية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في تلك السلوكيات تشكيلها وتغييرها، وتصبح أكثر تعقيدًا كلما كانت تلك الأفكار والخرافات تدور حول الأنثى. فالأنثى محط جدال وسجال عبر الأزمان، عكس الذكر، الذي لا خلاف على دوره ورفعة مكانته في الأسرة والمجتمع.
ولعل أبرز تلك الخرافات خرافة (الأنثى الشريرة)، وهي خرافة تعتبر الذكر؛ خيِّر بطبعه، عديم المسؤولية، ضعيف الشخصية، قدراته العقلية محدودة. ولأن الذكر طيب بطبعه فإن كل ما يفعله من خير فهو منه، أما أي شر يصدر عنه فسببه (أنثى شريرة) دفعته لارتكاب هذا الشر. فحسب هذه الخرافة لو قام زوج مثلاً بتعنيف زوجته فالسبب هو والدته التي دفعته لتعنيف الزوجة، ولو أساء ذات الذكر لأمه فلا بد من أن زوجته دفعته لأن يكون سيئاً معها، ولو أن ذكراً اختلس أو سرق أو ارتكب أي جريمة أخرى فلا بد من وجود (أنثى ما) دفعته لأن يكون مجرمًا.
 جاءت هذه الخرافة من الرواية التوراتية لخروج آدم من الجنة، فآدم الذي كان مطيعًا للرب مستمتعًا بالملذات في النعيم الأبدي، حرمته حواء الذي وسوس الشيطان لها لتقنعه بأن يأكل من الشجرة المحرمة، فكان جزاؤه إخراجه من الجنة لعصيانه أوامر الرب. وبناء عليه قد عاقب الرب حواء وبناتها من بعدها بألم الحيض والحمل والولادة وجعل الرجل قائدًا عليها. فجاء في سفر التكوين: «وقال للمرأة تكثيرًا اكثر اتعاب حبلك بالوجع تلدين اولادًا والى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك».
لم تقتصر فكرة المرأة الشريرة على الديانة اليهودية فقط، بل تفاعلت تلك الفكرة في بعض الحضارات والأديان أيضًا، فيقول فتنت مسيكة بر في كتابه (حواء والخطيئة في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم) صفحة 77: أسماها الصينيون «المياه المؤلمة» واعتبرها الهنود «لعنة ووباءًا فتاكاً ونظر إليها رجال التوراة على أنها أساس كل البلايا ورجال الإكريلوس، أنها كائن لا نفس له، وأنها من جنس غير جنس آدم».
لا تؤسس هذه الخرافة للتمييز والعنف ضد المرأة فحسب، بل ربما تكون أساسا لعبارة أن (المرأة عدو المرأة)، فإذا كان كل شر مصدره المرأة فقط، فإذن لا عدو للمرأة سوى نفسها لأنها وحدها مصدر كل الشرور.
رغم عمق هذه الخرافة في الثقافة إلا أنها تحمل تناقضها في بذورها، فكيف للذكر الحكيم والخيّر والقادر على اتخاذ القرار، أن يتحول هكذا ببساطة إلى مجرد مخلوق مسكين طيّع في يد أي أنثى؟ ربما يدل ذلك على أن السلوكيات التمييزية بشكل عام والتمييزية ضد الأنثى بشكل خاص لا تستند إلى أسس منطقية، بل على موروث كبير من العادات والخرافات والأساطير التي تشكلت في اللاوعي الجمعي، وجعلت التمييز العنصري يبدو على أنه أمر طبيعي لا وبل ضروري.
حتى زماننا هذا الذي يعتبره البعض زمن التقدم الذي انتهى فيه عصر التمييز ضد الأنثى، وأصبحت النساء يشاركن في الحياة العامة السياسية والاقتصادية، وبعضهن تبوأن مراكز قيادية، لكن ذلك لا يعني تغير العقلية التي كانت ولا زالت وراء إقصاء النساء واعتبارهن بشرًا من الدرجة الثانية، مما أدى إلى شرعنة التمييز بكل أشكاله ضدهن.
يحمل معظم الناس الأفكار على كواهلهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير في نقدها أو حتى تفسيرها، تواترت عبر الأجيال إذن هي مسلمات ورثوها كما جيناتهم الوراثية.
ربما تكون الخطوة الأولى لتغيير الأفكار خاصة تلك المتعلقة بالمرأة، بمراجعتها وتحليلها، تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، وقبل ذلك شجاعةً ووعيًا عميقاً. وتقع هذه المهمة على عاتق المثقف، ليس المثقف الذي يحمل معلومات ومعرفة، بل المثقف الذي أطلق عليه المفكر أنطونيو غرامشي مصطلح «المثقف العضوي» وهو الذي يكون أحد أدوات التغيير في مجتمعه بامتلاكه شجاعة نقد الموروث الثقافي حتى لو كلفه ذلك الكثير. ويؤكد على ذلك المفكر إدوارد سعيد حيث يقول: «إحدى مهام المثقف هي بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية، التي تحدّ كثيرا من الفكر الإنساني والاتصال الفكري».
لا ينقص فلسطين ولا الوطن العربي المثقفين العضويين، لكن حالة استغوال العسكر ورأس المال يحول دون أن تتحقق قوة وفعالية المثقفين وقدرة المجتمع على الاستفادة منهم. لذا يقتضي كبح جماح العسكر ورأس المال لأن الجهتين لكل منهما أولويات تتعارض مع أولويات المثقفين، وفي مقدمتها التغيير الذي ينهض بأبناء المجتمع ويجعلهم أكثر قدرة على التحكم بمصيرهم.

أضف تعليق