
لعل المعضلة ألأساسية التي تواجه عملية السلام والتحليق بها في مسارها الطبيعي التركيز على القضايا ألأمنية ، وكان هذا واضحا في خريطة الطريق وحتى اتفاقات السلام التي ربطت كل اتفاقية أوسلو بكلمة واحده ألأمن ألأسرائيلى الذي قد يجب كل شئ. ، والمعضلة الثانية والمرتبطة بالأولى وتشكل قلب الصراع مفهوم إسرائيل كدولة وفلسطين كدولة ، والمحددات السياسية التي تحكم الدولة: ألأمن والاستقلال ، والتكامل ألأقليمى ، وقدرتها على أداء وظائفها فى مجال ألاقتصاد والرفاهية ألاجتماعية ، وهذه المحددات غير متوفرة للدولة الفلسطينية حتى في حال قيامها ، وبالنسبة لإسرائيل تتجاوز كدولة هذه المحددات كالتوسع وضم أراضى الغير وبناء ألاستيطان على ألأراضي المفروض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية . وهذه المعضلة لا تتيح على ألإطلاق توفير إطار مقبول للمرجعية التفاوضية . وهو ما يعنى أن حالة دولة قائمه تنسف أى احتمال لقيام دولة محتمل قيامها .
والسلام الحقيقي ينبغي أن تحدده ثلاثة ركائز هامه : أهداف حقيقية وواقعية لأي سلام ، والسؤال هنا وبكل وضوح ما الهدف من المفاوضات والسلام ؟ والمحور الثاني أساليب وأدوات والتي بموجبها يمكن تحقيق أهداف السلام .
وأخيرا المدركات السياسية التي تحكم أطراف النزاع ، والأطراف ألأخرى ذات الصلة . وبالنسبة للأهداف ينبغى أن يكون الهدف واضحا فى قيام دولة فلسطينية مستقلة ومتكاملة إقليميا وقادرة على أداء وظائفها من أمن وخدمات من خلال قدرتها على التحكم في الموارد الاقتصادية والطبيعية والبشرية المتاحة على أراضيها، وفى أطار ذلك التوافق على تسويات عادله ومتوازنة لكل القضايا ألأخرى فى أطار مكون الدولة ؟ أما ألأساليب والأدوات ينبغي البحث عن أطار عام كمرجعية تفاوضية مقبولة ، وعدم الدوران حول خارطة الطريق كإطار وحيد للمفاوضات ، وهنا تتدخل الوسائل ألاقتصادية وتوفير قوة دفع حقيقية للدفع بالسلام ، وهو ما سنتحدث عنه لاحقا ، وأما المدركات هل تسمح بالقبول بالأهداف المعلنة للسلام ، وهنا أود أن أشير أن هناك تحولات ايجابية لكنها لم ترقى إلى مستوى قدرة القيادة على اتخاذ القرار الذي يدفع بالعملية السلمية إلى نقطة ألانطلاق التي تضمن لها القدرة على توليد عناصر السلام الذاتية .
فمن منظور إسرائيلي ينبغي أن يكون مدركا أن ألاحتلال لا يمكن أن يدوم ، وان استمراره سيكون مكلفا ماديا وبشريا ، وان تدرك أيضا أنه فى ظل تطور العامل السكاني الفلسطيني وتزايد عدده فى داخل إسرائيل ، وفى أراضى السلطة الفلسطينية وفى الشتات يعنى أولا عدم قدرة إسرائيل على البقاء كدولة ـ وثانيا أن خيارات الترحيل والطرد لم تعد قابله للتطبيق ، وبالتالي الحل هو فى قيام الدولة الفلسطينية ، وألا الخيار في النهاية هو خيار الدولة ثنائية القوميتين ، ولن تملك إسرائيل وقف هذا الخيار مهما تعاظمت قدرتها العسكرية ، ولن تستطيع بكل السبل التعامل مع العامل السكاني .
ومن المنظور الفلسطيني ينبغي أن يكون مدركا أيضا أن إسرائيل لا يمكن ان تزول كدولة إلا فى ظل حسابات غير إنسانية وان الخيارات العسكرية كما لإسرائيل لن تجدي فى صراع كالصراع العربي الأسرئيلي فى حسمه لصالح أى من الطرفين ، ولذلك البديل هو فى إعادة تقييم وسائل إدارة الصراع وان التركيز على ألأدوات والوسائل السلمية قد يكون أكثر تأثيرا على إسرائيل ، وأيضا ان حالة ألإحباط واليأس والمعاناة التي يحياها الشعب الفلسطيني لا يمكن ان تستمر إلى ما لا نهاية ، ولا يعقل أن يكتب على الشعب الفلسطينية ان يعيش طوال حياته في معاناة وحصار مستمرة وأن لا يعامل كانسان له حقوق وله آدميته كما لغيره ، وقد حان أن يعامل الفلسطيني بآدمية وهذا أقصر الطرق للسلام .
ومن منظور الدول والأطراف ألأخرى عربيا ودوليا ينبغي أن تدرك أنه لا يمكن استمرار هذا النزاع الذي يستنزف إمكانات وقدرات العديد من الدول فى حروب خاسره كان يمكن أن تخصص للمشاريع التنموية والكفيلة بمحاصرة العنف والفقر والتشدد . وأن تدرك أيضا أنها مطالبة وخصوصا الولايات المتحدة ألأمريكية ان تلعب دورا أكثر فعالية وحسما ومبادرة لحل الصراع وانه ليس من حق طرفي النزاع أن يأخذا المنطقة والعالم معهما إلى صراع دموي دون حل .
وعلى الرغم من قناعة الأطراف كلها بأهمية التفاوض والسلام ، ألا أن العملية قد افتقرت الى قوة الدفع بلغة وأدبيات التنمية ألاقتصادية ، وكما جاء فى نظرية مراحل النمو التي تشبه الطائرة الجاثمة على ألأرض ,تحتاج إلي قوة دفع كبيرة للدفع بالطائرة للتحليق ثم تتوفر لها قوة ألانطلاق وألأستمرار حتى تصل إلى نهايتها بطريقة هادئة سلمية تضمن ألأمان والحياة لجميع ركابها ، وإلا النتيجة وبلغة شمشون هدم القلعة على رأس الجميع . حالة ألسلام حتى الآن أشبه بالطائرة التي تتحرك وهى جاثمة على ألأرض دون القدرة على التحليق ، وهذا ما نقصده بقوة الدفع : توفر قيادة سياسية شجاعة وقادرة على اتخاذ القرار السياسي بإنهاء الصراع وتحقيق السلام بعيدا عن المحاذير والقيود ألأيديولوجية المتعنتة والمتصلبة ، وتوفير القاعدة المجتمعية التي تلمس أن هناك فعلا سلاما على ألأرض في صورة مشاريع وإجراءات يلمسها المواطن العادي في حياته وحياة أبنائه ، وهذا يتطلب توفير الدعم ألأقتصادى الكبير ، وخطوات سياسية وأمنية ملموسة وأهمها إنهاء ألاحتلال ، وثالثا توفير أرادة دولية قادرة على توفير الضمانات لإنجاح أى أتفاق سلام ، وضمانات متبادلة لأمن وتكامل أي دولة وبقائها واستمرارها .
هذه ألإجراءات كفيلة بتوفير قوة الدفع الذاتية للعملية السلمية وبعدها يمكن للشعب الفلسطيني والإسرائيلي أن يضمنا توفير الدعم والنجاح لأي سلام ركيزته الحقيقية وضمانه هو السلام الذي يتخذ قراره قياده سياسية شجاعة ، ويجنى ثماره الشعب نفسه .وهذه القيادة موجودة فلسطينيا وعربيا ومتوفرة في الرئيس اوباما وفى العديد من القيادات في أوربا وغيرها ويبقى أن تتوفر هذه القيادة إسرائيليا, أنها لحظة صنع السلام بعد أكثر من ستين عاما من الحروب ، وإلا ستدخل المنطقة كلها في صراع وحروب قد تدوم لأكثر من قرن آخر .
§ أكاديمي وكاتب عربي
2010-07-28